فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 7

وجاء تحذير المولى جلّ وعلا وتهديده للقاسية قلوبهم حيث قال تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} الزمر: 22. ولذا قال مالك بن دينار: ما ضُرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب.

والآية تدفع بالإنسان إلى محاسبة نفسه وحضور قلبه وخشوعه حال سماعه آيات الله. والخشوع هنا خشوع إذعان وتسليم وانقياد لأوامر الله وآياته في واقع الحياة. فالخشوع ليس مجرد شعور قلبي ولكن يبدأ بالقلب ليغير ويعدّل من سلوك الإنسان وأخلاقياته في واقع حياته.

ولذا جاء التحذير من الوقوع فيما وقع فيه أهل الكتاب: (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) الذين حوّلوا آيات الكتاب لمجرد آيات تُتلى، لم يذهبوا إلى تطبيقها في واقع الحياة فكانت النتيجة قسوة القلوب.

كل من يبتعد عن تنفيذ أحكام وأوامر آيات الكتاب العظيم آيات القرآن في واقع الحياة ويحوّل القرآن لمجرد آيات تُتلى وتُقرأ ويحوّل الذِكر والتسبيح إلى مجرد تمتمة باللسان دون تنفيذ في الواقع، دون تغيير في السلوك، دون تطبيق لدعوة الأنبياء من إحقاق الحق وإزهاق الباطل، يُعاقب بقسوة القلوب.

إلا أن من رحمته سبحانه أنه لم يترك الباب مغلقًا أمام الذين استبدت القسوة بقلوبهم، فها هي الآية تذكرهم برأفته ورحمته بعباده سبحانه: (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) .

مهما بلغت القسوة بقلب الإنسان وابتعد عن الله سبحانه، عليه ألا ييأس من رحمته ولا يصاب بالقنوط، فالرب القادر على إحياء الأرض بعد موتها، قادر على إحياء قلوب البشر بعد غفلتها وقسوتها وموتها بالبعد عن الله وذكره. لكن على الإنسان العودة وطرق باب التوبة والندم بصدق وعزم على تفريطه في جنب الله، فما أكرمه من رب! وما أرحمه من رب سبحانه وتعالى.

ثم تأتي الآيات مرة آخرى إلى الحث على البذل والعطاء: (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ.

ولنا أن نتساءل عن المقصد من الحديث المتواصل عن الإنفاق والصدقة وعلاقة ذلك بمرض قسوة القلب!.

لا يمكن أن يخرج القلب من قسوته دون بذل أو عطاء لأن القسوة عقوبة من الله عز وجل يسلطها على القلوب الشحيحة التي لا تعرف للعطاء دربًا ولا معنى. القلوب التي تبخل وتضن حتى بالكلمة الطيبة حتى بالتبسم في وجه الآخرين، أو بدعوة صادقة ورغبة في الخير وتمنيه للآخرين.

كما أن الإيمان والحق لا يُنصر بالقلوب الشحيحة، بل لابد للقلب أن يتعلم العطاء ويتمرن على البذل ويمارسه بصدق حتى يصل إلى مرحلة بذل كل شيء لله سبحانه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) .

فالوصول إلى منزلة الصديقية العظيمة لابد له من بذل وعطاء وفعل يصدّق الإيمان والخشوع الذي فاض به قلب المؤمن. فدعوة الأنبياء قامت على الصدق والعدل والحق، والتطابق بين أعمال القلوب والجوارح في الواقع.

ثم تأتي الآية التي تليها لتقف بالإنسان عند أسباب الشح المؤدية إلى قسوة القلوب، حب الدنيا والركون إليها: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) .

الدنيا فانية زائلة، ومتاعها قليل، مثل النبات يهيج فتراه مصفرًا ثم يكون حطامًا حتى ينتهى، والآخرة هي الباقية وهي دار القرار.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كما تَدَاعَى الأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِهَا". فقال قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قال صلى الله عليه وسلم:"بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزَعَنَّ الله من صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ الله في قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ". فقال قَائِلٌ: يا رَسُولَ الله، وما الْوَهْنُ؟ قال صلى الله عليه وسلم:"حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ"رواه أبو داود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت