فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 7

وعلى الرغم من أن لهذه الآيات أسباب نزول تتعلق بمن أنفق من الصحابة رضوان الله عليهم قبل الفتح وقت أن كان الإسلام لم يزل غضًّا طريًا في مكة، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فالذين أنفقوا وبذلوا وقدّموا من أموالهم وأنفسهم قبل الفتح ليس كمن أنفق فيما بعده، وفي كل خير.

من هنا فإن من أقبل على الله عز وجل وهو في كامل قوته ليس كمن أقبل عليه في حال الشدة والمرض والعجز والضعف، وعلى الإنسان اغتنام الفرص وعدم الوقوع في آفة التسويف: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) .

ثم إن مدار الإنفاق ليس هو الكمّ بل هو الكيف والنوع، وإحضار القلب والنية والصدق مع الله في الرغبة بالعطاء. الأمر الذي يفتح كل أبواب العطاء أمام الإنسان قلّ أو كثر.

ثم تواصل الآيات لتنزع من الأنفس شحها وتجعل العطاء قرضا بين العبد وربه، الجزاء فيه يضاعف أضعافا مضاعفة: (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ) .

كل إحسان ومعروف وصدقة يقدم الإنسان بيديه في الدنيا، سيجزى به نورا وخيرا في دنياه وآخرته. من هنا جاء الحديث عن النور مباشرة في الآيات التي تلي الحديث عن الإنفاق:

(يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)

العمل من بذل وإنفاق وعطاء وخير .. ,وكل ما يقدمه الإنسان، يجازيه به الرحمن بنور وهداية وبشارة: (ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ... وفي المقابل تنتقل السورة إلى صورة مختلفة تماما عن أولئك المؤمنين. إنها صورة المنافق الذي وصلت به قسوة القلب والغفلة إلى حد الوقوع في النفاق.

النفاق الذي يجعل من الإيمان مسألة شكلية ظاهرية لا رصيد لها في القلب والسلوك وواقع الإنسان. وتأتي الآيات بموقفهم يوم القيامة، وهم يبحثون عن النور ويستجدون من المؤمنين شيئا من نور: (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ. يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ)

لقد شارك المنافقون في الظاهر المؤمنين في العديد من الأعمال الصالحة وتخلفوا عنهم بالإيمان الذي في قلوبهم والنية والصدق مع الله سبحانه. كانوا مع المؤمنين بأجسادهم ولكن قلوبهم لم توافق ظواهرهم حيث يفتنون أنفسهم و يتربصون و يرتابون و تغرهم الأماني و يغرهم بالله الغرور. وهذا التناقض والنفاق من أعظم أمراض القلوب، ولا ينفع يوم القيامة إلا القلب السليم قال تعالى: «يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم» . الشعراء:89.

(فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ) إنتهى الوقت!

فالمؤمن العاقل الحكيم يدرك تمامًا أن ما يبذله في الدنيا من من وقت من صحة من عمل من مال، إنما هو يفتدي نفسه به قبل فوات الأوان.

ولذا جاءت الآية التي تليها هذه الآية العظيمة (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) .

عتاب مُحبَّب من خالق رءوف رحيم يعاتب عباده، ببعدهم عنه، وهو سبحانه غني عنهم وهم فقراء إليه. جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال:"ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربعُ سنين". وعند القرطبي: يقول عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما:"إن الله استبطأ قلوب المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن"هذا القول يفيد بأن الآية نزلت في المدينة، وسواء أكانت الآية قد نزلت في مكة أو نزلت في المدينة، فإنها تخاطب المؤمنين في كل وقت وفي كل زمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت