الآيات الست الأولى جاءت لتوقظ القلب ليسبّح التسبيح الحقيقي فيبدأ بالعودة شيئًا فشيئًا للحياة الحقيقية، حياة الإيمان: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) إيمان حقيقي، تصدّقه الجوارح في واقع الحياة، السلوك الذي يتعامل به مع الآخرين، الأخلاق، القيم، المبادئ، المثل التي تكون وراء حركة الإنسان في واقع الحياة.
ثم تأتي الآية: (وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) فالإنفاق تصديق لمعاني الإيمان بالله الذي له ملك السماوات والأرض في الواقع. الإيمان يدفع الإنسان للعطاء والبذل بكل أشكاله، فكل ما يمتلكه الإنسان من مواهب، جوارح ... مجرد عارية لتحقيق مهمته في الخلافة على هذه الأرض: (إني جاعل في الأرض خليفة) .
ما الذي يدفع بالإنسان بعيدا عن الإيمان بالله ورسوله وتنفيذ أوامرهما التي جاءت في هذه السورة العظيمة؟!.
وهنا يحتاج الإنسان إلى مواجهة نفسه بصدق باحثا عن أسباب ابتعاده عن الله عز وجل، والنظر في عظيم خسارته والآية تضعه في عمق المواجهة: (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ؟!.
ثم يأتي العلاج ليأخذ بقلب الإنسان ويده إلى حيث النور والحق والهداية: (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) فالعودة إلى كتاب الله القرآن من أعظم أسباب معالجة قسوة القلب وغفلته وبُعده عن الله سبحانه.
طريق عودة الإنسان إلى خالقه يقتضي عودته إلى القرآن وأن يجعل له حظا وعلاقة وطيدة مع كتاب الله عز وجل، فهو الكفيل بإنارة الدرب وإخراجه من ظلمات الهوى والضلال إلى نور الحق والهدى: (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) .
فالإنسان قد يمشي في طريق والطريق مظلم ويبحث عن بصيص نور فلا يجد، على الرغم من كل الأنوار التي صنعها الإنسان بحكم التقدم الحضاري الراهن.
ويبقى التساؤل هل يمكن لتلك الأنوار المصطنعة أن تضيء الظلمة التي توجد في قلب الإنسان حين يبتعد عن خالقه؟! تلك الظلمة التي تُلبس على الإنسان قرارته فلا يتمكن من التمييز بين الحق والباطل.
تبين سورة الحديد أن القرآن العظيم من أعظم وأهم مصادر النور في الحياة كما في الآخرة، فلا نور على وجه الحقيقة دون العودة الحقيقية إلى القرآن.
من هنا كان إنزال القرآن الكريم وتكفل الله سبحانه بحفظه من واسع رحمته سبحانه ورأفته بالإنسان، ليأخذ به إلى أسباب الهداية والنور متى ما أقبل الإنسان عليه بقلبه وروحه المتعطشة إلى النور.
ثم تعود الآيات من جديد لتواجه الإنسان بسلبياته وتثاقله عن عمل الخير والإنفاق والبذل في سبيل الله من خلال توجيه السؤال إلى ذاته: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فالشح والبخل والتمسك العاطفي بالمال من أعظم مسببات قسوة القلوب وبعدها عن خالقها.
كما أن الآيات تواجه الإنسان بحقيقة تتعلق بإيمانه بالله، فعلى قدر إيمانك بأن كل ما تمتلكه من الله سبحانه، يكون بذلك وعطاؤك في سبيله: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) كل شيء بيد الله وكل شيء من الله وسيؤول إلى الله سبحانه وتعالى. إنها حقيقة قد تغيب عن الكثيرين خاصة في ظل العصر الذي نعيش وما اتسم به من مادية مفرطة وتكالب على أسباب المعيشة على حساب الاهتمام بأسباب حياة الروح.
فالمال والمواهب وكل ما وضعه الله سبحانه تحت تصرف الإنسان ودائع ستُستردّ في يوم من الأيام. لكن هناك فارق بين أن يستردها الله سبحانه وقد وظّفها الإنسان في سبل الخير بذلًا وعطاءً ونصرة لدعو الحق الذتي جاء بها كل الأنبياء، وبين أن يستردها وقد بخل بها صاحبها عن كل خير، فيحاسب على كسبها ومنعها.
من هنا توقظ سورة الحديد الهمة في القلوب لتتحرك للبذل بشتى أنواعه بالوقت بالجهد بالصحة بطعام بموهبة ... وهي أعمال تنير للإنسان قلبه وحياته وآخرته.
ثم تأتي الآيات لتستنفر الهمم أكثر وتدفع بالإنسان إلى المبادرة للبذل والعطاء وعدم تسويف الخير، فالمبادر بالخير السابق به لا يستوي عند الله في ميزان الجزاء مع غيره ممن تأخر عنه في العطاء: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ) .