ليُحِقّ الحقّ في الواقع ويُبطِل الباطل ويُحقِّق دعوة الأنبياء والرسل نُصرةً لمبادئهم وقِيَمِهم في كل من حوله وفي كل ما حوله ليصبح هذا الإنسان المؤمن وذاك القلب في معيّة الله عز وجل، تلك المعيّة الخاصة.
وأول خطوة على ذلك الطريق ليعود القلب من جديد إلى خالقه، يقول المرء"سبحان الله"باللسان فحسب وإن كان ذلك جزء منها ولكنه تسبيح يجتذب القلب من نواحي الغفلة التي قد علته إلى عالم جديد، يصبح ذلك القلب الغافل مُسَبِّحًا مع كل من حوله.
ثم تأتي الآيات بأسماء وصفات عظيمة من أسماء الله سبحانه وتعالى عزيز قوي لا يُغلَب، حكيم في أمره ومشيئه (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وهنا يبدأ القلب باستشعار معنى التسبيح يعود من مرحلة الغفلة عن معانيه إلى التوقف عندها.
ولكن لماذا يغفل القلب عن ذكر الله؟!.
تأتي الإجابات في السورة من خلال تثبيت المعاني الإيجابية التي تعالج الغفلة وأولها استحضار عظمة الله سبحانه وسعة ملكه وقدرته: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) فكل ما يريده الإنسان، يجده عند خالقه سبحانه. (يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) . (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(3) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ (4 ) ) قدرة مطلقة. (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا) كل شيء، علم مُطلق، علم دقيق. (وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا) .
ثم تأتي نهاية الآية بقوله سبحانه: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) .
ثم تعود من جديد: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) ، (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) .
هذه الآيات تكرس في القلب الغافل أن الله سبحانه محيط بكل شيء، علمه بتصرفاتنا، بأفعالنا، بغفلتنا، بعودتنا، بكل شيء علم دقيق يسع كل شيء. فالقلب حين يغفل مجرد غفلة عن خالقه، حتى وأن تحرك اللسان، الله يعلم ذلك ويحيط به.
ولذلك جاءت التأكيدات في أكثر من موضع: (وهو بكل شيء عليم) (بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) . آيات توقِظ في القلب الشعور بمراقبة الله عز وجل وعلمه بكل شيء. ثم تأتي تلك الآية العظيمة: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ومعية الله عز وجل على نوعين:
-المعية الأولى معية عامة فهو سبحانه مع عباده بما يليق بجلاله بعلمه وبإحاطته واطلاعه ومراقبته لأعمالهم ومشاعرهم وخلجات نفوسهم وخواطرهم وما يحدثون به أنفسهم ليلًا أو نهارًا في كل شيء هذه هي المعية العامة.
-المعية الثانية هي معية خاصة معيّة الله مع عباده المؤمنين المخلصين توفيقًا وتأييدًا ونصرة لهم، كما جاء على لسان النبي صلى الله عليه وسلم يوم أن قال لصاحبه:"لا تحزن إن الله معنا"معية خاصة تأييد حفظ توفيق نصر فتح من الله عز وجل معية خاصة لا ينالها إلا المؤمن، وهي بعيدة عن منال القلب الغافل القاسي الذي اختط"طريقًا ودربًا له بعيدًا عن خالقه سبحانه."
فهو يُحرَم من هذه المعية ولا يمكن أن ترجع وتعود المعية الخاصة لهذا العبد إلا إذا إستشعر واستحضر وعاش المعيّة العامة الأولى النابعة من استحضار الإنسان لمعاني مراقبة الله سبحانه له وإطلاعه على أفعاله: (بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) .
هذه حالة اليقظة التي تبدأ بها سورة الحديد توقظ القلوب وتعيدها من جديد إلى خالقها من خلال تسبيح الإنسان لخالقه، تسبيحا يعيد القلب البعيد عن الله عزّ وجل إلى خالقه، مستحضرا المعاني والأسماء العظيمة الحسنى التي جاء ذكرها في بدايات السورة (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) لا يدين قلبي باستشعار بملك أحد من الناس مهما بلغ ملكه ومهما بلغ جاهه ومهما بلغت قوته أنه يملك من الأمر شيئًا، لا يملك ولا شيء الملك الحق لله الواحد الأحد.
ثم جاءت (يُحْيِي وَيُمِيتُ) هل البشر مهما بلغوا من القوة يملكون القدرة على الإحياء أو الإماتة!
هل يملكون نفسًا من أنفاس الحياة حتى يجري الإنسان ورائهم بعيدًا عن الخالق سبحانه وتعالى؟!
التسبيح لم يعد مجرد كلمات باللسان، بل عبادة قلبية من أعظم أنواع العبادات، حين يسبِّح القلب قبل اللسان ليستحضر معاني هذه الأسماء العظيمة.