الصفحة 11 من 14

(موجودة أصلا) انتظارا لغلائها، كأن تكون هناك سلعة يبيعها تجار كثيرون، ويعمد أحدهم إلى حبس كل أو بعض ما عنده انتظارا لشحها في السوق بعد أيام مثلا، ومن ثم يرتفع سعرها. ويبدو لي أن هذه الممارسة كانت شائعة في المجتمعات العربية وغير العربية قبل الثورة الصناعية، نظرا لبدائية وسائل النقل والتخزين والاتصال. وقد سبق القول إن هذا الحابس يسمى في اللغة العربية محتكرا. ومن باب الفائدة، فإن الاحتكار بمعنى الانفراد بطبيعته يعطي المنتج أو البائع المنفرد قدرة على التحكم في الكميات المنتجة أو الأسعار (وليس الاثنين معا) .

جدت أمثلة مختلفة في عصرنا الحاضر، فمثلا، يمتنع أكثر الناس عن بيع ما بحوزتهم من أسهم إذا توقعوا ارتفاعا قريبا في أسعارها. هل يعد هؤلاء محتكرين بالمعنى الفقهي؟ وهل هو عمل محرم؟ أسئلة للنقاش.

كيف تطور الاحتكار بالمعنى الحديث الشائع وهو الانفراد؟

من الصعب القول إن الانفراد في بيع أو شراء سلعة من السلع هو عمل أو ممارسة عرفت فقط في العصر الحديث، أو عرفت في مجتمع دون مجتمع. ولكن من المؤكد أنه عمل لم يكن يمارس ِإلا على نطاق ضيق حجما ونوعا وتأثيرا قبل العصور الحديثة، وأعني بذلك قبل عصر الثورة الصناعية. ذلك لأن طبيعة اقتصادات ما قبل الصناعة لا تغري التجار، بصفة عامة، بالقيام بممارسات انفرادية أي احتكارية بالمعنى الشائع الآن لكلمة احتكار إلا في نطاق ضيق ومحدود. ذلك لأن قيام الممارسات الانفرادية (بغض النظر عن الرأي فيها وفي مشروعيتها) يتطلب في الغالب توافر أعمال وخدمات مثل التخزين والنقل والاتصالات، أكثر تطورا مما كان موجودا قبل الثورة الصناعية. وبالعكس، يغري عصر ما قبل الصناعة بممارسات الاحتكار بالمعنى اللغوي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت