الصفحة 12 من 16

ينطلق البحث من لفظة (جاهلي) حيث يتوهم البعض ويتصورون أن كلمة جاهلي حين تطلق لوصف أولئك العرب الذين عاشوا قبل الإسلام في الجزيرة العربية، أو لوصف أدبهم، فإنها تعني حرمانهم من العلوم والمعارف من جهة، وحرمانهم من الخصال الأخلاقية الحميدة من جهة ثانية؛ أي أنهم كانوا بشرًا بلا عقل ولا روح وبالتالي لا علم ولا أخلاق ولا تربية من أي شكل أو لون لديهم.

ونتيجة لهذه الظنون والأوهام استمرأ كثير من الباحثين من عرب وغير عرب - تجهيل الجاهلية، وتجريدها من كل فضل أو فضيلة، أو علم أو تربية، يقول الجاحظ: (( وكل شيء للعرب فإنما هو بديهة وارتجال ثم لا يقيده(العربي) على نفسه ولا يدرسه أحدا من ولده. وكانوا أميين لا يكتبون )). - البيان والتبيين - تحقيق عبد السلام هارون .. دار الكتب المصرية 3/ 28.

ويقول عبد القادر البغدادي في خزانة الأدب: (( .. العرب أميون لا يقرءون ولا يعرفون الحساب، إنما كانوا يعدون بالحصا، فأطلق الحصا على العدد!! أفبعد هذا تجهيل؟ أو بعد هذا أمية أو بدائية .. بل إن ابن قتيبه أسرف في ذلك حتى وصف الصحابة بالأمية مع أن كتب السيرة والتاريخ نكر منهم عشرات كانوا كاتبين مجيدين. يقول في مختلف الحديث - طبعته دار الكتب(365 - 366) حين تعرض لسماح النبي صلى الله عليه وسلم لعبدا لله بن عمرو بتقييد الحديث المصرية (( لأنه أي عبدا لله بن عمرو ) )كان قارئًا للكتب المتقدمة، ويكتب بالسريانية والعربية، وكان من غيره من الصحابة أميين، لا يكتب منهم إلا الواحد والاثنان، وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التجهي )) .

وإذا كان القرآن الكريم قد وصف العرب في جاهليتهم بالأميين في مثل قوله تعالى: (( هو الذي بعث في ألاميين رسولا منهم ) )الجمعة -2، فإننا نظن أن الأمية هنا ليست أمية كتابية أو علمية أو أخلاقية تربوية، وإنما قد تكون أمية دينية، على اعتبار أنهم لم يكن لهم كتاب قبل القرآن الكريم ومن هنا كان ظننا بأن أميتهم كانت أمية دينية كما سبق وأما قول الرسول صلي الله علية وسلم لأبي هريرة حين أخطأ في حق بلال - رضوان الله عليهم أجمعين:

(( أنك أمرؤ فيك جاهلية ) )فالمقصود هنا - على ما أضن - فيك من سلبيات الجاهلية لأن الجاهلية - شأن أي مجتمع - كان فيها السلبيات والايجابيات.

والدليل على ذلك أن الإسلام لم يعارض الأخلاق الجاهلية التي تتوافق مع الفطرة السليمة كالكرم والوفاء والإجارة والدفاع عن القبيلة - باعتبارها الوطن - وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت