الصفحة 13 من 23

أُخَر، فمَنْ لم يعرفها جهِل تأويلَ الكتابِ والسُّنةِ، والشَّاهِدِ والمَثَلِ، فإذا نَظَر في الكلام وفي ضروبٍ من العلم، وليس هو من أهل هذا الشأن، هَلَكَ وأَهْلَكَ." [1] "

إن أمانة العلم تقتضي التدقيقَ في المصطلح، والإحاطةَ بمدلوله الذي وُضِع له. وذلك هو مفتاح الفهم الصحيح المؤدي إلى التطبيق الرشيد، فما وُضِعت مصطلحاتُ العلوم إلا لدفع كل اختلاف وفساد.

فلو ذهب أحدٌ يتكلم في مصطلح وعُرْف ناقد ما، من غير فهم ولا تدبُّر، أو وقوف على تصريح من ذلك الناقد بمراده من ألفاظه، لخِيفَ أن يشمله قولُ الشافعي (-204 هـ) رحمه الله:"ومن تكلَّف ما جهل، وما لم تُثْبِته معرفتُه: كانت موافقتُه للصواب؛ إِنْ وافقه من حيثُ لا يعرفه؛ غيرَ محمودةٍ، والله أعلم، وكان بخطئِه غيرَ معذورٍ، إذا ما نطق فيما لا يُحيط علمُه بالفرق بين الخطأ والصواب فيه." [2] 1)

ولقد كان علماءُ الحديث ونقَّادُه أكثر عناية بالمصطلحات، إذ سبقوا إلى ألفاظ، وتواضعوا على مصطلحات أرادوا بها معانيَ ودلالاتٍ خاصةً بهم، فأرسوْا بذلك أُسُسًا متينةً لمناهج البحث السليم، اقتفى أثَرَهم فيها باقي أهلِ الفنون الأخرى.

ومن ثمَّةَ صار علمُ الحديث من أهم العلوم الشرعية، وأكثرها توَلُّجا في باقي العلوم، منه استمدَّت مناهجَها، وبأدواتِه واصطلاحاتِه قامت سيقانُها، ولذلك كثُر وَهَمُ العاطلين منه والمُخِلِّين به، وأشرق نورُ الصواب على أهله فحفظوا السُّنةَ النبويةَ، وأكرمهم الله بعلم الإسناد الذي هو أكبرُ خَصِيصَةٍ لهذه الأمَّة.

(1) الحيوان: 1/ 154.

(2) الرسالة: 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت