لكن تعقبهم الأستاذ أبو محمد عبد العظيم الديب رحمه الله في (حاشية النهاية) بأنه لا يُعرف في اللغة بالزاي بمعنى التأسيس، وإنما هو بالراء من أزر الجدار تأزيرًا إذا جعله من أسفله كالإزار.
ويحتمل أن المزني أراد التأسيس بدليل أنه يقرّب في (مختصره) كلامَ الشافعي، وقد نص الشافعي في (الأم) على أن الشاذروان فيما يحسب منشأٌ على أساس الكعبة، فأبدل المزنيُّ الزايَ من التأسيس سينًا، كما في قرآءة من قرأ السراط بالزراط ونحو ذلك، ويحتمل أنه قاله على لغة أهل مصر فإنهم يستثقلون السين في بعض كلامهم فيُبدلونها زايًا كما في قولهم (مزجد) أي: مسجد وغير ذلك.
وهذا بتقدير أن يكون المزني ذكره بزاءين كما قطع به الإمام في (النهاية) وإلا فالوجه ما قاله الأستاذ الديب، وفي (المصباح) للفيومي: (وأزَّرْت الحائطَ تأزيرًا، جعلت له من أسفله كالإزارِ، وآزَرْته مُؤازرَةً أعَنْته وقوَّيته) .
ويقويه أن هذا الشاذروان إنما جُعل تقوية لجدار الكعبة ليسندها ويحفظها من السيول، ويحتمل أنه سُمّي بالإزار لأنه يكون أسفل إزار الكعبة وهو كسوتها فسُمّي به لقربه منه حتى كأنه تميم له.
والمقصود أن الشاذروان هو المرمر الذي جُعل في أسفل جدار الكعبة من جهة الركنين اليمانيين تقوية لجدارها ليسنده، وفي (مسائل أحمد) لحرب الكرماني بسنده أن أنسًا رضي الله عنه صلى على شاذروان، وهو حجر المرمر، ثم شاع إطلاقه على النافورة التي تُخرج ماءً يكون منه صوت، وقد صنف بعض العلماء في طريق عمل وصناعة الشاذروانات.
ووقع في (متن اللغة) للأستاذ أحمد رضا: أن الشاذروان هو صفّةٌ حول البناء متصلة به كشاذروان الكعبة المشرفة، أو هو صفّة تحيط بها فارغة من البناء وهو جذرها، قال: وبعبارة أوضح هو ما تُرك من عرض الأساس خارجًا، ويسمى التأزير.
وشاذروان الكعبة محيط بالبيت عدا جهة باب الكعبة وجدارها الذي هو قبالة الحطيم الذي يقال له حِجْرُ إسماعيل، وكذا الحجر الأسود فلم يكن عنده شاذروان لكنه أُحدِثَ على ما ذكره النووي وغيره في أزمانهم.
وفي (حاشية عميرة) أن قول الكمال المقدسي في (شرح الإرشاد) إن الشاذروان هو القدرُ الذي تركته قريشٌ من عرض الأساس خارجًا عن عرض الجدار فيما عدا جهة الحجرِ، غير صواب، ومنه تعلم أنّ البناءَ الذي يُشبه الشاذروان الكائن الآن من الأسود إلى اليماني، ثم منه إلى الشامي، مُحدَث.
وإنما وضعوه ليسند جدارها من السيول ونحوها، ولا يُعرف متى وضع هذا المرمر ولا من الذي وضعه، لكنه موجود قبل زمان الشافعي بيقين لأنه وصفه وذكر حكمه في (كتابه) كما يأتي.
وقال الفاسي في (تاريخ مكة) : (وأما شاذروان الكعبة: فهو الأحجار الملاصقة بها التي فوقها مسنّم مرخّم في الجانب الشرقي والغربي واليماني، وفي الجانب الشرقي حجارة لا بناء عليها، هي شاذروان، وأما الأحجار التي تلي جدار الكعبة الشامي فليست شاذروانا؛ لكون موضعها من البيت بلا ريب) .