فصل
واعلم أن الشاذروان فارسي، وقد ضبطه النووي في (التهذيب) بفتح الذال وعليه مشى الجمهور، لكنَّ ابنَ رُشيد قيّده في (رحلته) بالكسر وذكر أنه اسم للزربية وهي فرش ملونة بحمرة وصفرة وخضرة، وذكر أنه ليس بعربي ولا بمعرّب.
وعند غيره أنه معرّب، وذكر آدي شير في (معجم الكلمات الفارسية المعرّبة) أن أصله (شاد روان) بالدال المهملة وهو بالفارسية: سِتر عظيم يُسدل على سُرادق السلاطين والوزراء، وعلى الشرفة من القُمر والدار، وعليه فالصواب أنه معرّب.
قال ابن رُشيد: (ولا شك أنها استُعِيرت لهذا المُفترش البُنياني الضيق القصير الارتفاع، الذي أحاط بالبيت من هذه الجهة، وهي استعارة بعيدة، ومن يقول الزربية هي الوسادة تكون الاستعارة أقرب، كأنها وسائد وسدت إلى البيت، ولا توجد هذه التسمية ولا ذكر مسماها في حديث صحيح ولا سقيم ولا عن صحابي، ولا عن أحد من السلف فيما علمت) .
ومن الشاذروان الذي هو بُسُط وفُرش ما أخرجه ابن أبي خيثمة في (تاريخه) عن خالد بن يزيد الهدادي قال: (كنا عند يحيى بن أبي كثير وقد بسط لنا شاذروان, فجاء عمرو بن عبيد فنحى الشاذروان برجله ثم جلس) .
ومنه حجارة المرمر وهو المقصود هنا لا الذي يُفترش فلا إستعارة، كالشاذروان العظيم الذي عمله سابور على نهر تُستُر بفارس لنقل الماء بطول ميل، وهو من عجائب الدنيا كما وصفه من صنف في الرحلات كالإدريسي وابن حوقل والإصطخري وغيرهم، وقد صنع الرشيد شاذروانًا بنحوه بالنهروان على دجلة.
وذكر ابن قِز أوغلي في (تاريخه) الذي ذيّل به تاريخ جدّه ابن الجوزي، أن الأديب أبا عبد الله محمد بن صغير القيسراني قال يمتدح بني الصوفي حين بنوا بهوًا وبركةً فيها شاذروان:
يا بنيّ الصُّوفي زرْتُكُمُ ... طائفًا بالبيتِ مُعْتْكِفا
فرأيتُ الغيثَ مُغْترفًا ... مِنْ أياديكُمْ ومُعْترفا
ذات بَهْوٍ مَنْ ألمَّ بها ... وصفَا تَحْبيرُهُ وَصَفا
عاقِد في الجوِّ منطقَه ... لا يرى طَرْفٌ لها طَرَفا
من أنابيبَ تميسُ إذا ... طَيرُ شاذِرْوانها هَتَفا
مُغرَمٌ بالبَهْو فهو متى ... هَفَّ من شوقٍ إليه هفا
ووقع في (مختصر المزني) أن الشاذروان هو تأزير البيت الحرام، فقال الرافعي: (سُمّي بذلك لأنه كالإزار له، وقد يقال التأزيز بزاءين وهو التأسيس) وهو قضية كلام الإمام في (النهاية) وتبعه النووي وغيره.