وهذا الذي قاله محتمل لكن فاته أن ابن الزبير حين بناه زاد فيه من جهة الحطيم أكثر لأنه الموضع الذي نقصت منه قريش لقصر النفقة، كما أخرج أبو القاسم الزجاجي في (أخباره) بسنده عن سعيد بن مينا قال: سمعتُ ابنَ الزبير وهو على المنبر حين أراد هدمَ الكعبة وبُنيانها يقول: حدّثتني خالتي عائشةُ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ياعائشة لولا أن قومَك قريبوا عهد بشرك لهدمتُ الكعبة, ثم لزدتُ فيها ستةَ أذرع من الحجر، إن قريشًا قصر بها حين بنوها النفقة، وجعلتُ لها بابين بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا) .
قال: فشهدته حين هدمها وزاد فيها من الحطيم ستة أذرع, فإذا صخور مثل أعجاز الابل، فجعل لها بابين وفرح بذلك فرحا شديدًا.
قال نفطويه: فلما قُتل ابنُ الزبير سنة ثلاث وسبعين أمَّر عبدُ الملك الحجاجَ على الحجاز فهدم ما كان بناه ابن الزبير وردّه إلى الحالة الأولى فهو إلى الآن على ذلك، وفي ذلك يقول جرير:
أرى الطيرَ بالحجاج تجري أيامنًا .... لكم يا أميرَ المؤمنين وأسعدا
رجعتَ لبيت الله عهدَ نبيّه وأصلحتَ ما كان الخُبيبان أفسدا
قال: كان عبد الله بن الزبير يكنى أبا بكر وأخوه يكنى أبا خبيب، فكني بأخيه فقيل: الخبيبان.
فقوله: (زاد فيها من الحطيم) ظاهر في ما قلناه، وأما جهة الحجر الأسود فقد زاد فيه بالقدر الذي يعيده إلى قواعد إبراهيم بشهادة وإشارة عدول أشراف مكة، فلما نقض الحجاج بناءَ ابن الزبير، أقرَّ زيادته من جهة الحجر الأسود الذي فيه الشاذروان، ونقض زيادته من جهة الحطيم، وأعادها إلى ما كانت عليه قبل بناء ابن الزبير، وهذا ظاهر جدًا في أن الشاذروان ليس من أساس البيت، بل هو خارج عنه.
ويدل عليه رواية مسلم: فلما قُتلَ ابنُ الزبير كتب الحجاجُ إلى عبد الملك بن مروان يُخبره بذلك، ويُخبره أنّ ابنَ الزبير قد وضع البناءَ على أُسٍّ نظر إليه لعدولُ من أهل مكة، فكتب إليه عبد الملك: (إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء، أما ما زاد في طوله فأقرَّهُ، وأما ما زاد فيه من الحِجْرِ فرُدّهُ إلى بنائه، وسُدَّ البابَ الذي فتحه، فنقضه وأعاده إلى بنائه) .
وهو ظاهر جدًا في أنه إنما نقص منه من جهة الحِجْر وهو الحطيم، وتركه على بناء ابن الزبير من جهة الحجر الأسود والركنين اليمانيين، وهي جهة الشاذروان، وإذا ثبت أنه على قواعد إبراهيم من هذه الجهة، صح بيقين أن الشاذروان خارج عن البيت.
وقد ذكر الحافظ ابن فهد في (اتحاف الورى) ما يقتضي أن كل شيء في الكعبة من بناء ابن الزبير الذي هو كما مر على أساس وقواعد إبراهيم، إلا الجدار الذي في الحِجْر فإنه بناء الحجاج.