فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 19

وقد كان بعض السلف كمعاوية وغيره لا يستلمون الركنين العراقي والشامي ويقولون: (ليس شيءٌ من البيت مهجورًا) .

وعليه نقول إن الإجماع على أن الحجر الأسود والركنين اليمانيين متمم بناؤها على قواعد إبراهيم وأساس البيت، دليل ظاهر على أن الشاذروان ليس من البيت بل هو خارج عنه بيقين، فلا وجه لإبطال الطواف بمسه أو الطواف عليه أو الدخول في هوائه والحال هذه.

وبهذا يبطل قياسهم على الحطيم وتعلقهم بأثر ابن عباس فيه، فإن الحطيم من البيت بلا خلاف، لأن الحجاج أعاده على ما كان قبل بناء ابن الزبير، ولا كذلك الشاذروان لأنه في جهة الحجر والركنين اليمانيين، وقد بقيت على بناء ابن الزبير مؤسسة متممة على قواعد إبراهيم، فالشاذروان خارج عن قواعد البيت وأساسه.

ولهذا قطع التقي الفاسي في (شفاء الغرام) بأن (في بناء ابن الزبير رضي الله عنهما للبيت على أساس إبراهيم، دليل واضح على أنه أدخل في البيت ما أخرجته منه قريش في الحِجر، فإنه بنى ذلك على أساس إبراهيم عليه الصلاة والسلام لا أساس قريش) فتأمل كيف أقر بصحة هذه الدلالة ووضوحها مع أنه شكك فيه قبل ذلك.!

ولهذا احتاط الشافعي في كلامه فلم يجزم بأن الشاذروان مبني على البيت، وإنما قال أحسبه كذلك فاحتاط لنفسه، وقد ذكر ابن رشيد عن أبي عبيد البكري في في كتاب (المسالك والممالك) له: أن ابن الزبير لما هدم الكعبة وألصقها كلها بالأرض من جوانبها جميعًا، وظهرت أُسُسها وأشهد الناسَ عليها، فقال لهم ابن الزبير: اشهدوا، ثم وضع البناءَ على ذلك الأساس، ووضع جدار الباب باب الكعبة على مدماك على الشاذروان اللاصق بالأرض، وجعل الباب الآخر خلفه بإزائه بظهر الكعبة، وجعل عتبته على الحجر الأخضر الطويل الذي في الشاذروان الذي في ظهر الكعبة قريبًا من الركن اليماني، وكان البناة يبنون من وراء الستر، والناس يطوفون من خارج.

قال ابن رشيد: فذكر الشاذروان ولم يقل إنه أساس البيت، أو جزء منه خارج الكعبة، ونقل عن ابن عبد ربه أنه ليس من البيت، وقال ابن خلدون في (تاريخه) : (ويعرِض ها هنا إشكالٌ قويٌ لمنافاته لما يقوله الفقهاء في أمر الطواف، ويحذر الطائفُ عن أن يميل على الشاذروان الدائر على أساس الجُدُر من أسفلها، فيقع طوافُه داخل البيت بناءً على أن الجُدُر إنما قامت على بعض الأساس وترك بعضه، وهو مكان الشاذروان، وكذا قالوا في تقبيل الحجر الأسود لابد من رجوع الطائف من التقبيل حتى يستوي قائمًا لئلا يقع بعضُ طوافه داخل البيت، وإذا كانت الجدران كلها من بناء الزبير وهو إنما بناه على أساس إبراهيم فكيف يقع هذا الذي قالوه؟ ولا ومخلص من هذا إلا بأحد أمرين: إما أن يكون الحجاجُ هدم جميعه وأعاده، وقد نقل ذلك جماعةٌ، إلا أن العيان في شواهد البناء بالتحام ما بين بنائين وتمييز أحد الشقين من أعلاه عن الآخر في الصناعة يردُّ ذلك، وإما أن يكون ابنُ الزبير لم يردَّ البيتَ على أساس إبراهيم من جميع جهاته، وإنما فعل ذلك في الحِجْر فقط ليدخله، فهي الآن مع كونها من بناء ابن الزبير ليست على قواعد إبراهيم، وهذا بعيد ولا محيص من هذين) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت