فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 19

جوف الجدار، فلم يكن والحال هذه قد استوفى الطوافَ ولا طاف بجميع البيت بل ببعضه كما قالوا في الشاذروان بل هو أولى، وهذا اللازم فاسد ولا قائل به أصلًا فالملزوم مثله.

الثالث: أن في مراعاة ذلك للعامة مشقة ظاهرة مع كثرة الزحام على الحجر الأسود، فالغالب أنه يفوتهم استحضار هذه الدقيقة في تلك الحال، وفي هذا من تأثيم الناس وإيقاعهم في الحرج ما هو ظاهر ينافي أصول الشارع.

والقول في الركنين اليمانيين كالقول في الحجر الأسود، لأنهما كذلك مؤسسان على قواعد إبراهيم عليه السلام كما جزم به القاضي أبو الطيب الطبري والأستاذ أبو نصر بن الصباغ والقاضي عياض وأبو الحسن القابسي وغيرهم من الأئمة.

فإن ابن الزبير رضي الله عنه حين أعاد بناء البيت ونقض جُدره، بناه على قواعد إبراهيم، فلما نقض الحجاجُ بأمر عبد الملك بن مروان بناءَ ابن الزبير عصبيةً عليه، نقضه من جهة الحطيم التي فيها الركنان العراقي والشامي، وأعاده على ما كان قبل ابن الزبير، وبقيت جهة الحجر والركنين اليمانيين على ما بناه ابن الزبير رضي الله عنه على قواعد إبراهيم عليه السلام.

ولهذا استحب بعض السلف استلام الركنين العراقي والشامي وهو قول الحسن والحسين ابنا علي عليهم السلام، وقاله ابن الزبير وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وعروة بن الزبير وأبو الشعثاء جابر بن زيد رضي الله عنهم، ولأجل أن البيت من جهة الركنين العراقي والشامي لم يكونا على قواعد إبراهيم، بل كانا من أساس البيت، ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم استلامهما وكرهه عامة العلماء.

وليس قول هؤلاء السلف مخالفًا لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما جرى عليه عمل الكافة في ترك استلامهما، وإنما علته أنهم إنما ذهبوا إلى استحباب استلامهما لأنهما كانا قد بُنيا على قواعد إبراهيم عليه السلام زمان ابن الزبير، كما جزم به أبو الحسن القابسي، ولذا قطع القاضي أبو الطيب الطبري باستحباب استلامهما إذا أعيد بناؤهما على قواعد إبراهيم كما بناه ابن الزبير.

وقد أخذ القاضي هذا من قول ابن عمر رضي الله عنهما كما في (الموطأ) و (الصحيح) : (ما أرى النبيَّ صلى الله عليه وسلم ترك استلامَ الركنين اللذين يليان الحِجْر، إلا أن البيتَ لم يُتمّم على قواعد إبراهيم) .

وعند ابن أبي شيبة: أن ابن عمر أُخبِرَ بقول عائشة: (إنّ الحِجْر بعضه من البيت) فقال ابنُ عمر: (والله إني لأظنُّ عائشةَ إنْ كانت سمعتْ هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني لا أظنُّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أمرَ بترْكِ استلامهما إلا أنهما ليسا على قواعد إبراهيم، ولا طاف الناس من وراءِ الحِجْر إلا لذلك) ولهذا درس خلافُهم بعد نقض الحجاج لبناء ابن الزبير، وأجمعت الأمةُ على أنهما لا يُستلمان كما حكاه القاضي أبو الطيب،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت