على ذلك بقول ولا فعل، ولا الخلفاءُ الراشدون ولا الصحابة رضي الله عنهم، مع توفّر الدواعي على النقل، وليت من يعتبر ذلك يقف عند ما قالوه، بل يزيد بعضُ المتنطّعين منهم فيتأخّر خطوةً أو أكثر منها إلى جهة ورائه بعد تقبيل الحجر، فربما آذى من خلفه بتأخّره، فليحذر من ذلك).
وقال ابن رُشيد أيضًا: (ولو كان الشاذروان من البيت لكان الركنُ الأسود داخلًا في البيت، فلم يكن متممًا على قواعد إبراهيم، ويعضد هذا أنه لم يكن هناك تحت الركن الأسود هذا الشاذروان، وإنما أحدث بعد صونا للجدار وتقوية له، والله أعلم، وأمر الشاذروان شيء ظاهر البطلان) .
ويقويه أن الحجر الأسود متأخر عن الشاذروان، والشاذروان بارز عنه متقدم عليه كما هو مشاهد، وقد أجمعنا على أن الحجر الأسود متمم على قواعد إبراهيم عليه السلام، وأمرنا الشارع بتقبيله واستلامه حال الطواف، فلو كان الشاذروان من البيت، لزم بطلان الطواف حال تقبيل الحجر واستلامه لأنه من البيت بالأولى لتأخره عن الشاذروان واللازم فاسد بالإجماع ولا قائل به أصلًا فالملزوم فاسد مثله.
وقد ذكروا مسألة دقيقة أوجبوا على الطائف أن يتنبّه لها حال تقبيل الحجر واستلامه، ذكرها الحافظ أبو عمرو بن الصلاح والنووي وغيرهما وجعلوها من شرط صحة الطواف، فقال ابن الصلاح: والشرط أن يكون جميع بدنه منفصلًا عن البيت وعند هذا ينبغي أن يتفطن لدقيقة ذكرها بعض المتأخرين من أيمتنا، وهي أن من قبّل الحجرَ الأسود فرأسه في حالة التقبيل في البيت، فعليه أن يقرّ قدميه في موضعيهما حتى يفرغ من التقبيل ويعتدل قائمًا، فإنه لو زالت قدماه عن موضعيهما قليلًا ولو بقدر شبر، ثم لما فرغ من التقبيل اعتدل قائمًا عليهما في الموضع الذي زالا إليه، ومضى من هناك في طوافه، لكان قد قطع قدرَ شِبر من مطافه مع كون بعض جسده في هواء الشاذوران الذي هو من البيت، فيبطل طوافه).!
وفي هذه الدقيقة نظر من وجوه:
أحدهما: أن السلف لم يُنبّهوا على ذلك مع عموم البلوى وحاجة الناس إليه، ولو كان ذلك كذلك لسبقوا إليه كما تقدم، قاله ابن رُشيد وابن جماعة وغيرهما، ولذا قال الدماميني في (المصابيح) تبعًا لابن رُشيد إن قولَ بعض المتأخرين من الشافعية ينبغي أن يُتفطن لهذه الدقيقة من العجب، فإن هذه الدقيقة كيف يمكن أن تغييب عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم، فلا يتنبَّهُ أحدٌ لها مع تكرُّر الحج في كل عام، إن هذا لمن الأمر البعيد الذي لا تسكُنُ إليه نفسُ عاقل.!
الثاني: أنه يلزم من هذه الدقيقة إبطال الطواف برأسه سواء كان بمراعاتها أو بدونه، لما مرّ أن الحجر الأسود قائم على قواعد البيت أصلًا، فنفس استلامه وتقبيله يفضي على أصلهم هذا في الشاذروان، إلى فساد الطواف، لأنه حال مسّه واستلامه يكون قد دخل جزءٌ من بدنه في هواء جدار البيت ولا بد لأن الحجر الأسود داخل في