فصل
ونازع في دعوى البطلان طوائفُ من محققي العلماء، فذهبوا إلى صحة الطواف إذا كان رأسه أو شيء من بدنه في هواء الشاذروان أو طاف عليه، وهو مذهب الحنفية، ونازعوا في دعوى كون الشاذروان من البيت.
قال الكَرْماني: (الشاذروان ليس من البيت عندنا، وعند الشافعي منه حتى لا يجوز الطوافُ عليه، والشاذروان هو تلك الزيادةُ الملصقة بالبيت من الحجر الأسود إلى فُرجة الحِجْرِ، قيل بقي منه حين عمّرته قريشٌ وضيّقت، ولا يخفى أنّ ما لم يثبت ذلك بطريق لا مردّ له كثبوت كون بعض الحِجْرِ من البيت، فالقولُ قولُنا، لأنّ الظاهر أنّ البيت هو الجدارُ المَرئيُّ قائمًا إلى أعلاه) .
وقاله ابن عابدين وغيره، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية في (منسكه) فإنه قال: (ولو وضع يده على الشاذروان الذي يُربط فيه أستار الكعبة، لم يضرّه في أصح قولي العلماء، وليس الشاذروان من البيت بل جُعِلَ عمادًا للبيت) .
وهو قول العز ابن جماعة من الشافعية فإنه قال في (منسكه الكبير) : (الذي يظهر لي أن الشاذروان ليس من البيت، كما نقله السُّروجي عن الحنفية، واختاره جماعةٌ من محققي العلماء، وقال ابن مُسدي في(منسكه) قال أبو حنيفة: الطوافُ على الشاذَروان جائز، والبيت هو الظاهرُ من البناء القائم، ويروى نحو ذلك عن مالك بن أنس، والدليلُ على الاحتياط أرجح).
ورجّحه من أصحاب مالك جماعةٌ منهم الإمام العلامة أبو العباس القبّاب الفاسي في (شرح قواعد عياض) وابن فرحون كما حكاه الحطاب في (المواهب) ومال إليه هو والدماميني في (المصابيح) .
ونصره العلامة أبو عبد الله بن رُشيد في (رحلته) وبالغ في إنكار كون الشاذروان من البيت، قال: (وهذا أمرٌ لا يحتاج عندي إلى نقل، والمُتشكِّكُ فيه كمن شكّ في قاعدة من قواعد الشريعة المعروفة عند جميع الأمة) .
قالوا: والتحذير من الطواف على الشاذروان أو دخول شيء من بدن الطائف في هوائه لم يُنقل عن السلف مع عموم البلوى بذلك، حتى قال ابن فرحون جزم بأن الاحتراز من الشاذروان مع عموم البلوى به ثم لا ينقل التوقي منه عن السلف، من الأمر البعيد الذي لا تسكن إليه نفسُ عاقل، وهذا دليل ظاهر على عدم اعتبار ذلك حال الطواف، أو أن الشاذروان ليس من البيت عند السلف.
وقال ابنُ رُشيد في (رحلته) : (فهذه الدقيقةُ تغيبُ عن الصحابة، ومن بعدهم فلا يتنبّه أحدٌ لها ولا نبّه، حتى نبّه على ذلك بعضُ المتأخرين، إنّ هذا لمن البعيد القصي في الغاية) .!
وقال القبّاب: (وقد حذّر بعضُ المتأخرين من الشاذروان، ولو كان كما قالوا لحذّر منه السلف الصالح لعموم البلوى بذلك مع كثرة وقوعه، فتركهم ذكرَه دليلٌ أنّ مثله مغتفرٌ، والتوقّي منه أولى، أما أنّ ذلك مُبطِلٌ فبعيد) .
وقال العز ابنُ جماعة: (ولو كان ما ذكر الشافعيةُ أنه ينبغي الاحترازُ منه عند تقبيل الحجر معتبرًا، لنبّه سيدُنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الصحابةَ عليه، لكونه مما تمسُّ الحاجةُ إليه، ولم يُنقل أنه صلى الله عليه وسلم نبّه