الصفحة 9 من 32

50]، وما ذلك إلا رسالة تُبعَث لمن معه ولمن يتبعه إلى يوم الدِّين، بأنه صلى الله عليه وسلم لا يعلم من الغيب إلا ما أذن الله جل جلاله أن يعلم، ولا يعلم ما في الغد؛ فعن الرُّبَيِّعِ بنت مُعوِّذ رضي الله عنها، قالت: دخل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم غَداةَ بُنِيَ علَيَّ، فجلس على فراشي كمجلسك مني، وجُوَيريات يضرِبْنَ بالدف، يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر، حتى قالت جارية: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تقولي هكذا، وقولي ما كنتِ تقولين ) ) [1] .

وفي ذلك دلالة على أن الله جل جلاله يريد من القائد أن يعلِّم الرعية أن تسير وفق السنن الكونية التي أقرها الله جل جلاله لعباده، وعدم القفز عليها، والحذر من العمل خارج نطاقها، ومن ذلك: سن التشريعات والقوانين التي تضبط مصالح الناس، وتضمَن مصالحهم.

وقد جاءت مجموعة مشتركة متتابعة، وعددها سبع صفات، من صفات القائد النبي محمد صلى الله عليه وسلم في آية واحدة، هي (من 5 إلى 11) ، وتتجلى هذه الصفات في قوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159] ؛ فالصفات القيادية الإيجابية للقائد - التي ذكرتها هذه الآية، والتي تحلَّى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم - هي:

5 -اللين: ولان يلين، بمعنى استجاب للتغيير لأقل جهد؛ قال تعالى في حق داود عليه السلام: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ: 10] ، فإن الحديد كان يستجيب ليد نبي الله داود عليه السلام؛ (قال ابن جرير الطبري: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} [سبأ: 10] ، كان يُسوِّيها بيده، ولا يدخلها نارًا، ولا يضربها بحديدة) [2] .

فاللين في الأشياء: هو ما نستطيع أن نغير شكله بجهد قليل نقوم به، فمن ذلك سيقان بعض النباتات الخضراء الطرية التي يمكن أن نغير شكلها مثلما نشاء، فنقول عنها: لينة، هذا في الجانب المادي للأشياء، وهذا الوصف يمكن أن يتصف به القلب (اللين) ؛ فعن أبي أمامة الباهلي رضي الله

(1) صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب شهود الملائكة بدرًا.

(2) جامع البيان في تأويل القرآن، ابن جرير الطبري، ج 20، ص 359.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت