عنه، قال: أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: (( يا أبا أمامة، إن من المؤمنين مَن يلين لي قلبه ) ) [1] .
ولين القائد هنا بمعنى المرونة المطلوبة من أجل ألا ينفِّرَ الناسَ مما جاء به إليهم، ويضمن تحقيق طاعة الناس للقائد، وحبهم له، وليس اللين الذي يجعل الرعية تستهين بالقائد، وهكذا تعامَل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع رعيته وفق هذا المبدأ، فكان لينًا معهم، ولكن بوسطية تبقيهم في مكانة لا يتجاوزون فيها قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يستهينون بما جاء به صلى الله عليه وسلم، وهذا الحال كان مع المقربين من أصحابه قبل عامة الناس، فلم يكن صلى الله عليه وسلم يتوانى عن تعنيفهم أو تغليظ القول عليهم أحيانًا إذا اقتضت الضرورة؛ فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: قلت: يا نبي الله، وإنَّا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: (( ثكِلَتْك أمك يا معاذ، وهل يكُبُّ الناسَ على وجوههم في النار إلا حصائدُ ألسنتِهم؟ ) ) [2] .
وكانت آيات القرآن الكريم تأتي لتصحيح مسار القائد حين يكون ليِّنَ الجانب أكثرَ مما ينبغي، فحين جاء بعض من كان يريد أن يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويبقى في المدينة، ولا يغزو معهم في غزوة تبوك، سمح لهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بالبقاء، فعاتبه ربه جل جلاله؛ قال تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} [التوبة: 43] ، ومثل هذا الأثر ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم من لين الجانب مع عامة الناس، بل وحتى المنافقين، حين خُيِّر صلى الله عليه وسلم في أن يستغفر لهم أو لا يستغفر لهم، فكان الرسول صلى الله عليه وسلم يستغفر لهم، ويصلي عليهم صلاة الجنازة، وحين يسأل عن ذلك، وهو يعلم أنهم منافقون، فإنه يبين أنه يرجو أن يهديهم الله جل جلاله، فكان يبين للناس أنه خُيِّر فاختار، ثم إن الخطاب القرآني قطع الأمر بعد ذلك، بقوله تعالى: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة: 84] ، فالمطلوب من القائد أن يميز من معه، ممن يتوسم فيه الخير، وإن الأمل معقود بهدايته، عمن لا خير فيه، ولا طائل من كثرة إقناعه وهدايته، وعلى العموم فالقائد الإيجابي تنطبق عليه حكمة من قال: (لا تكُنْ لينًا فتُعصَر، ولا صُلبًا فتُكسَر) .
(1) مسند أحمد بن حنبل - مسند الأنصار - حديث أبي أمامة الباهلي الصدي بن عجلان بن عمرو، والمعجم الكبير للطبراني - باب الصاد - ما أسند أبو أمامة - راشد بن سعد المقرائي.
(2) سنن ابن ماجه - كتاب الفتن - باب: كف اللسان في الفتنة.