الصفحة 8 من 32

فالقائد لا يكون جبارًا، مخيفًا، متسلطًا، متوحشًا، ترتعد فرائص الناس منه، وكل هذا في الأصل ليس قضيته، وهو لا يسعى إليها على أية حال، بل هو على عكس ذلك، فيذكرهم بأنه بشر مثلهم، فيكون لين الجانب، وطيب الخُلق معهم، ولكن تكليفه بسياستهم وتدبير شؤونهم هو ما يجعله رئيسًا لهم، فيباشر شؤون القيادة والرياسة وفق هذا المفهوم، ولكن عليه ممارسة هذا التواضع وفق آلية التوازن؛ حتى لا يستغل تواضعه ويفقد مركزيته وسلطته على الآخرين.

وحين يعبر القرآن الكريم عن مقام رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، ويذكره بصفة أنه (عبد) كما أسلفنا، فقال تعالى: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 10] ، وقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1] - فإنما تأتي أهمية هذه القضية الفصل تبيانًا لعقائد فاسدة سابقة، كانت تعتقد بها أمم سبقت الأمة الإسلامية، فمن تلك الأمم: الفُرْس، الذين كانوا يعتقدون أن (كسرى) هو جزء من الذات الإلهية، وأن تصرفاته لا تأتي معبرة عن نفسه، وإنما عن إرادة إلهية، فهم يرفعونه إلى درجة الألوهية، وهي درجة وهمية غير حقيقية، وكانوا يسمونه (شاهنشاه) وتعني ملك الملوك؛ ولهذا كانوا يسجدون له وينحنون له، ومن هنا جاءت المعتقدات المعاصرة المنبثقة من هذه العقيدة موافقة لها، ومشابهة لطقوسها؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أخنى [1] الأسماء يوم القيامة عند الله: رجل تَسمَّى: مَلِكَ الأملاك ) ) [2] ، وربما كان اعتقاد الروم بالقيصر فيه شيء من هذا القبيل، ولكنهم أقل تطرفًا من الفُرْس.

4 -انتفاء علم الغيب: ولأن قلوب الناس تتعلق بمن يقودها، فتجدهم يعظمونه بما ليس هو أهلًا له، ويرفعونه إلى مكانة هو لا يستحقها، ولعل من ذلك التعظيم أن يظن الناس أن قائدهم يعلم الغيب، وتزداد هذه الصفة عند الناس إذا اجتمعت صفة النبوة مع صفة القيادة، وقد كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم من أكثر الأنبياء الذين أطلعهم الله جل جلاله على أمور غيبية، ولكنه مع كل ذلك كان يخاطبهم بقوله تعالى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 188] ، وقال تعالى: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام:

(1) أَخْنى: أفحش.

(2) صحيح البخاري - كتاب الأدب - باب: أبغض الأسماء إلى الله جل جلاله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت