الصفحة 7 من 32

فإن استطاع القائد أن يبلغ مقام العبودية الحقيقية مع خالقه جل جلاله، فإنه سيسمو بروحه، وعند ذاك ستنشط قدراته، وتتفتق طاقاته، وتظهر مهاراته، ويستطيع من خلال هذا المقام أن يقدم خدمات عظيمة لمن معه، وكل الناس عباد لله جل جلاله، وهي عبادة قدرية؛ فالله جل جلاله يُخضِع العباد لسلطانه، شاؤوا أم أبَوْا، ولكن العبودية الإرادية هي العبودية التي يستطيع القائد أن يرتقي بنفسه، ويتميز بها عن بقية الناس.

3 -الإنسانية: فقد كان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم يؤكد هذه الحقيقة، فيقولها بنفسه: (إنه إنسان) ، وإنه بشر مثله مثل بقية الناس في الإنسانية، وإنما حمل أمانة ومسؤولية الرسالة الإلهية التي كان عليه أن يبلغها للناس، ثم يقودهم من أجل هذه الرسالة، وقد فعل ذلك صلى الله عليه وسلم بفضل ربه عليه، ونجح بتوفيق الله جل جلاله نجاحًا باهرًا في مهمته؛ قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} [فصلت: 6] ، وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] .

وحين يحاول بعض من أتباع القائد أن يحولوه إلى مرتبة غير بشرية؛ كالملائكية أو غيرها، فعلى القائد الذي يطمح أن يكون إيجابيًّا: أن يرفض ذلك رفضًا قاطعًا، والكثير من الناس من يفعل ذلك؛ قال تعالى: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} [الفرقان: 7] ، فجاءت الإجابة في موضع آخر من القرآن العظيم، وذلك هو قوله تعالى: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 93] .

وهذه الصفة البشرية هي التي دعت النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى أن يتصف بصفة قيادية إيجابية أخرى مهمة، هي صفة التواضع؛ قال تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر: 88] ، وقال تعالى: {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 215] ، ولقد كان يضرب بتواضعه صلى الله عليه وسلم المَثَل، ومن أمثلة ذلك موقفه صلى الله عليه وسلم مع ذلك الرجل الذي ارتبك حين وقف بين يديه؛ فعن جَرير بن عبدالله رضي الله عنه، قال: أُتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل ترعد فرائصه، قال: فقال له: (( هَوِّنْ عليك؛ فإنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد في هذه البطحاء ) )، قال: ثم تلا جَرير بن عبدالله البجلي: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45] [1] .

(1) المستدرك على الصحيحين للحاكم - كتاب التفسير - تفسير سورة ق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت