الصفحة 6 من 32

وقيمتها، وكان ربه سبحانه وتعالى يحثه على ذلك، ويبين له الوسائل المؤدية لذلك الهدف، ويدله على الطريق؛ قال تعالى: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل: 2 - 4] ، وقال له ربه جل جلاله: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] .

إن الصلاة عماد الدِّين، ونور اليقين، وهي من أهم وسائل الارتقاء بالنفس البشرية، ولقد كانت صلاة التهجد واجبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بداية الأمر؛ وذلك لأهميتها؛ فقد أمره الله جل جلاله بها بقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء: 79] ، ثم خفف عنه فيما بعد لكثرة الأعباء، وما كل ذلك إلا من أجل الارتقاء بالجانب الروحي عنده؛ فبالصلاة يرتقي ويطمئن الفرد، وبذكر الله جل جلاله تسمو النفس البشرية، وترتقي بقربها من ربها جل جلاله؛ لذلك فإن الله جل جلاله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205] ، بل إن الله جل جلاله يأمره صلى الله عليه وسلم بأن يستمر بالارتقاء بروحه عن طريق الإكثار من العبادة، وخاصة الصلاة منها، حتى يأتيه الموت؛ قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99] .

والخِطاب القرآني حين يُثني على النبي محمد صلى الله عليه وسلم فإنه يصفه بالعبد؛ قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23] ، وقال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1] ، فبالرغم من أن المقام في حادثة الإسراء والمعراج مقام تكريم وفخر، ففيه قطع صلى الله عليه وسلم مسافات شاسعة في وقت قياسي، وفيه ارتقاء إلى السماء، وفيه أَمَّ صلى الله عليه وسلم الأنبياء في الصلاة، والأعظم من ذلك فيه تكليم لله جل جلاله - فإن الله جل جلاله وصَفه في ذلك المقام بصفة العبد؛ لأن فيها سموًّا ورُقيًّا روحيًّا؛ يقول المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم ليصلي حتى ترم قدماه - أو ساقاه - فيقال له، فيقول: (( أفلا أكون عبدًا شكورًا ) ) [1] .

(1) صحيح البخاري - كتاب الجمعة - أبواب تقصير الصلاة - باب: قيام النبي صلى الله عليه وسلم الليل حتى تَرِمَ قدماه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت