الصفحة 4 من 32

إحداهما غير الأخرى؛ فقد نجدهما عند قادة آخرين منفصلتين، ولكنهما مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم حالة واحدة؛ فالآية الآنفة الذكر نجد فيها: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ} [النساء: 113] ، ويقول تعالى: {ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} [الإسراء: 39] ؛ فالكتاب الذي أنزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم هو القرآن، ما يعني العلم؛ لأن إخباره بأحوال الأولين والآخرين علم، وأحكامه علم، والعقائد التي فيه علم، والحدود علم، وهذا العلم هو الحكمة بعينها؛ لأنها وضَعت أحوال الكون في محلها الصحيح.

وكان معلِّم النبي صلى الله عليه وسلم هو جبريل عليه السلام؛ قال تعالى: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى} [النجم: 5] ، وكان الله جل جلاله يعلم النبي صلى الله عليه وسلم أحيانًا من غير واسطة؛ أي: بشكلٍ مباشر، كما حصل عندما عرج به صلى الله عليه وسلم إلى السماء؛ قال تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 8 - 10] ، وما أوحي للرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو عين العلم؛ لأن الوحي كله علم؛ فهو كلام الله جل جلاله، ومن أجل صورة واضحة لحجم العلم الذي كان مع رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( بينا أنا نائم أُتِيت بقدح لبن، فشربت حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري، ثم أَعطيتُ فَضلي عمر بن الخطاب ) )، قالوا: فما أوَّلتَه يا رسول الله؟ قال: (( العلم ) ) [1] ، وإن الحد الأدنى من العلم الذي ينبغي أن يتوفر للقائد الإيجابي هو ما جاء في قول ابن القيم رحمه الله:(فالحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات ودلائل الحال، ومعرفة شواهده، وفي القرائن الحالية والمقالية، كفقهه في كليات الأحكام - أضاع حقوقًا كثيرة على أصحابها، وحكم بما يعلم الناس بطلانه، لا يشكُّون فيه، اعتمادًا منه على نوع ظاهر لم يلتفت إلى باطنه وقرائن أحواله، فها هنا نوعانِ من الفقه لا بد للحاكم منهما:

-فقه في أحكام الحوادث الكلية.

-وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس، يميز به بين الصادق والكاذب، والمحق والمبطِل، ثم يطابق بين هذا وهذا، فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفًا للواقع) [2] .

(1) صحيح البخاري - كتاب العلم - باب فضل العلم.

(2) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، ابن قيم الجوزية، ج 1، ص 4 - 5.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت