الصفحة 17 من 32

أنكم الآن أعظم حالًا مما كنتم قبل ذلك، والسبب فيه أنكم قبل هذه الواقعة كنتم تعوِّلون على أعمالكم وطاعتكم، والآن تعوِّلون على فضلي وعفوي، فيجب أن تصير درجتكم ومنزلتكم الآن أعظمَ مما كان قبل ذلك؛ لتعلموا أن عفوي أعظم من عملكم، وكرمي أكثر من طاعتكم، والوجوه الثلاثة الأول مذكورة، والبقية مما خطر ببالي عند هذا الموضع، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.

المسألة الثالثة: اتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحي من عند الله جل جلاله، لم يجُزْ للرسول صلى الله عليه وسلم أن يشاور فيه الأمة؛ لأنه إذا جاء النصُّ بطَل الرأيُ والقياس، فأما ما لا نص فيه، فهل تجوز المشاورة فيه في جميع الأشياء أم لا؟

قال الكلبي وكثير من العلماء: هذا الأمر مخصوص بالمشاورة في الحروب، وحجته أن الألف واللام في لفظ"الأمر"ليسا للاستغراق، لما بين أن الذي نزل فيه الوحي لا تجوز المشاورة فيه، فوجب حمل الألف واللام ها هنا على المعهود السابق، والمعهود السابق في هذه الآية إنما هو ما يتعلق بالحرب ولقاء العدو، فكان قوله: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] مختصًّا بذلك، ثم قال القائلون بهذا القول: قد أشار الحُباب بن المنذر يوم بدرٍ على النبي صلى الله عليه وسلم بالنزول على الماء، فقبِل منه، فأشار عليه السعدان: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، يوم الخندق، بترك مصالحة غطفان على بعض ثمار المدينة لينصرفوا، فقبِل منهما وخرق الصحيفة.

المسألة الرابعة: ظاهر الأمر للوجوب؛ فقوله: المسألة الخامسة: روى الواحدي في الوسيط عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس أنه قال: الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمشاورته في هذه الآية: أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وعندي فيه إشكال؛ لأن الذين أمر الله جل جلاله رسوله صلى الله عليه وسلم بمشاورتهم في هذه الآية هم الذين أمره بأن يعفو عنهم، ويستغفر لهم، وهم المنهزمون، فهَبْ أن عمر رضي الله عنه كان من المنهزمين فدخل تحت الآية، إلا أن أبا بكر ما كان منهم، فكيف يدخل تحت هذه الآية؟! والله أعلم) [1] .

والقائد يستشير مَن حوله حسب مكانتهم منه، وحكمتهم، ووزنهم الاجتماعي، وتخصصهم، فيكون المستشارون وفقًا لما ذكر على أنواع:

(1) تفسير الفخر الرازي (مفاتيح الغيب) ، محمد بن عمر بن الحسين الرازي الشافعي، ج 9 ص 397.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت