الدنيا، فإنه عليه السلام قال: (( أنتم أعرف بأمور دنياكم، وأنا أعرف بأمور دينكم ) )؛ ولهذا السبب قال عليه السلام: (( ما تشاوَر قوم قط إلا هُدُوا لأرشد أمرهم ) ) [1] .
• الثالث: قال الحسن وسفيان بن عيينة: إنما أمر صلى الله عليه وسلم بذلك ليقتدي به غيره في المشاورة، ويصير سنة في أمته.
• الرابع: أنه عليه السلام شاورهم في واقعة أُحُد، فأشاروا عليه بالخروج، وكان ميله إلى ألا يخرج، فلما خرج وقع ما وقع، فلو ترك مشاورتهم بعد ذلك، لكان ذلك يدل على أنه بقي في قلبه منهم بسبب مشاورتهم بقية أثر، فأمره الله تعالى بعد تلك الواقعة بأن يشاورهم؛ ليدل على أنه لم يبقَ في قلبه أثرٌ من تلك الواقعة.
• الخامس: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] ، لا لتستفيد منهم رأيًا وعلمًا، لكن لكي تعلم مقادير عقولهم وأفهامهم، ومقادير حبهم لك، وإخلاصهم في طاعتك، فحينئذ يتميز عندك الفاضل من المفضول، فبين لهم على قدر منازلهم.
• السادس: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] لا لأنك محتاج إليهم، ولكن لأجل أنك إذا شاورتهم في الأمر، اجتهد كل واحد منهم في استخراج الوجه الأصلح في تلك الواقعة، فتصير الأرواح متطابقة متوافقة على تحصيل أصلح الوجوه فيها، وتطابُقُ الأرواح الطاهرة على الشيء الواحد مما يعين على حصوله، وهذا هو السر عند الاجتماع في الصلوات، وهو السر في أن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد.
• السابع: لما أمر الله جل جلاله محمدًا عليه السلام بمشاورتهم، دل ذلك على أن لهم عند الله جل جلاله قدرًا وقيمة، فهذا يفيد أن لهم قدرًا عند الله، وقدرًا عند الرسول صلى الله عليه وسلم، وقدرًا عند الخلق.
• الثامن: الملك العظيم لا يشاور في المهمات العظيمة إلا خواصه والمقربين منه، فهؤلاء لما أذنبوا عفا الله عنهم، فربما خطر ببالهم أن الله تعالى وإن عفا عنا بفضله إلا أنه ما بقيت لنا تلك الدرجة العظيمة، فبين الله تعالى أن تلك الدرجة ما انتقصت بعد التوبة، بل أنا أزيد فيها، وذلك أن قبل هذه الواقعة ما أمرت رسولي بمشاورتكم، وبعد هذه الواقعة أمرته بمشاورتكم؛ لتعلموا
(1) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الأدب - باب: المشورة، وهو كلام للحسن البصري، وليس حديثًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وأخرجه ابن وهب في الجامع عن الإمام مالك رحمه الله عن رجل، وذكره ابن تيمية في الكلم الطيب ينسبه لقتادة رحمه الله، فيكون الكلام في النتيجة ليس حديثًا للنبي صلى الله عليه وسلم.