قريشًا جمعوا لك جموعًا، وقد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك، وصادُّوك عن البيت، ومانعوك، فقال: (( أشيروا أيها الناس عليَّ، أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت، فإن يأتونا كان الله عز وجل قد قطع عينًا من المشركين، وإلا تركناهم محروبين ) )، قال أبو بكر: يا رسول الله، خرجت عامدًا لهذا البيت، لا تريد قتل أحد، ولا حرب أحد، فتوجَّهْ له، فمن صدنا عنه قاتلناه، قال: (( امضوا على اسم الله ) )" [1] ."
• استشارته صلى الله عليه وسلم في موضوع شخصي، فحين طُعن في أقرب الناس إليه، وهي زوجته السيدة عائشة رضي الله عنها، قال صلى الله عليه وسلم: (( أما بعد، أشيروا عليَّ في أناس أَبَنُوا أهلي، وايم الله ما علمت على أهلي من سوء قط، وأَبَنُوهم بمن؟ والله ما علمت عليه من سوء قط، ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر، ولا غبتُ في سفر إلا غاب معي ) ) [2] .
يقول الفخر الرازي في تفسيره (قوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] ، يقول أبو بكر الرازي في تفسيره: وقوله تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] ، وفيه مسائل:
(المسألة الأولى: يقال: شاورهم مشاورة وشوارًا ومشورة، والقوم شورى، وقيل: المشاورة مأخوذة من قولهم: شُرْت العسل أَشُوره إذا أخذته من موضعه واستخرجته، وقيل: مأخوذة من قولهم: شُرْت الدابة شورًا إذا عرضتها، والمكان الذي يعرض فيه الدواب يسمى مشوارًا، كأنه بالعرض يعلم خيره وشره، فكذلك بالمشاورة يعلم خير الأمور وشرها.
المسألة الثانية: الفائدة في أنه تعالى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بمشاورتهم وجوه:
• الأول: أن مشاورة الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم توجب علوَّ شأنهم، ورفعة درجتهم؛ وذلك يقتضي شدة محبتهم له، وخلوصهم في طاعته، ولو لم يفعل ذلك لكان ذلك إهانة بهم، فيحصل سوء الخلق والفظاظة.
• الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم، وإن كان أكمل الناس عقلًا، إلا أن علوم الخلق متناهية، فلا يبعد أن يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح ما لا يخطر بباله، لا سيما فيما يفعل من أمور
(1) صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب غزوة الحديبية.
(2) صحيح مسلم - كتاب التوبة - باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف.