والمشاورة: هي المراجعة لاستماع الآراء ممن تستحسن آراؤهم، للخروج بقرارات فيها مصلحة الجماعة، وهي آلية مهمة من آليات القيادة، ولا غنى للقائد عنها، ولكن في حقيقتها هي غير ملزمة للقائد في كل الحالات.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرَ الاستشارة، وهو أغنى الناس عنها، فكان يستثمر المواقف المختلفة ليقول: (( أشيروا عليَّ ) )، ولم يكن يفعلها للدعاية، وإنما كان كثيرًا ما ينزل لآراء من يشيرهم؛ فمن القضايا التي طلب صلى الله عليه وسلم ممن معه الاستشارة:
• الاستشارة في القرارات الإستراتيجية: فمن ذلك استشارته صلى الله عليه وسلم الأنصار في معركة بدر، وهي أول معركة بين الكفر والإسلام، فقد قال: (( أشيروا عليَّ أيها الناس) ، وإنما يريد الأنصار؛ وذلك أنهم كانوا عدد الناس، وذلك أنهم حين بايعوه على العقبة، قالوا: يا رسول الله، إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمَّتنا، نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاف ألا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم، قال: فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له سعد بن معاذ رضي الله عنه: لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: (( أجل ) )، قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودَنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامضِ يا رسول الله لما أردتَ، فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخُضتَه، لخضناه معك ما تخلَّف منا رجل واحد، وما نكره أن يلقانا عدونا غدًا، إنا لَصُبرٌ عند الحرب، صُدقٌ عند اللقاء، لعل الله أن يريك منا ما تقَرُّ به عينك، فسِرْ بنا على بركة الله، فسُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه ذلك، ثم قال: (( سِيروا على بركة الله، وأبشروا؛ فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني أنظر الآن إلى مصارع القوم غدًا ) ) [1] .
• أنه خرج صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه من أجل العمرة في عام الحديبية، فجاءته الأخبار بأن قريشًا خرجت لتقاتلهم؛ فقد"خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، فلما أتى ذا الحليفة، قلَّد الهَدْي وأشعره وأحرم منها بعمرة، وبعث عينًا له من خزاعة، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه، قال: إن"
(1) جامع البيان في تفسير القرآن للطبري - سورة الأنفال - القول في تأويل قوله تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ} [الأنفال: 7] .