الصفحة 12 من 32

ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح) [1] ، وهكذا فإن من ضرورات القيادة الناجحة أن يكون القائد عفُوًّا؛ لأنه ينبغي أن يتبنى كليات القضايا، وعظام الأمور، وجسام الحوادث، فلو لم يكن عفُوًّا فإن هذا يعني انشغاله بالأمور الصغيرة، من محاسبة هذا على ماضٍ قريب أو بعيد، ومجازاة هذا على فعل قديم، فيكون قد انصرف عن المهمة الرئيسية التي هو مكلف بها، كما أن عدم العفو والإصرار على الاقتصاص من كل مَن أخطأ سابقًا، سيجعل العلاقة بينه وبين من يعول تنطلق انطلاقة سلبية، فيها من الضغينة والبُغض والشحناء ما يؤثر سلبيًّا على مستقبل المجموعة.

ولكن صفة العفوِ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن بغير ضابط، بل كانت تتحول إلى حسمٍ عندما يُستغَلُّ هذا العفو من قِبل الآخرين؛ فقد قال الشافعي رحمه الله:"وكان الممنونُ عليهم بلا فدية أبا عزة الجمحي، تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم لبناته، وأخذ صلى الله عليه وسلم عليه عهدًا ألا يقاتلَه، فأخفره وقاتله يوم أحد، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يُفلِتَ، فما أُسِر من المشركين رجل غيره، فقال: يا محمد، امنُنْ عليَّ، ودعني لبناتي، وأعطيك عهدًا ألا أعود لقتالك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا تمسح على عارضيك بمكة، تقول: قد خدعت محمدًا مرتين ) )، فأمَر به فضُرب عنقه) [2] ."

8 -الدعاء للرعية: ولأن وظيفة القائد هي رعاية الناس، فالقائد الإيجابي من سيكون الناس همه، ولا يكفي أنه يرعى شؤونهم المادية، بل يتعامل معهم معنويًّا أيضًا؛ فهو يدعو لهم بالتوفيق، ويستغفر لهم الله جل جلاله، وبذلك فهو يبذل كل ما يستطيع لهم من الوجوه كافة، المادية والمعنوية؛ قال تعالى: {فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 62] ؛ فعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي} [إبراهيم: 36] ، وقال عيسى عليه السلام: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] ، فرفع يديه صلى الله عليه وسلم وقال: (( اللهم أمَّتي أمَّتي ) )، وبكى، فقال الله جل جلاله: (( يا جبريل، اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله: ما يبكيك؟ ) )، فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام، فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، وهو أعلم، فقال الله: (( يا جبريل، اذهب إلى محمد، فقل: إنَّا سنُرضيك في أمتك، ولا

(1) صحيح ابن حبان، كتاب التاريخ، ذكر خِصال يستحب مجانبتها لمن أحب الاقتداء بالمصطفى صلى الله عليه وسلم.

(2) السنن الكبرى للبيهقي - كتاب السير - جماع أبواب السير - باب ما يفعله بالرجال البالغين منهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت