روى بشر بن الوليد عن أبي يوسف قال: حدثنا ابن أبي ليلى أن عيسى بن موسى قال له: أتُجيز شهادة أهل الأهواء؟ قال: قلت: نعم، وأراهم لذلك أهلًا، إنما أدخلهم في الهوى الدين [1] .
2 -محمد بن الحسن من الحنفية:
ذكر السرخسي استدلال الحنفية على قبول شهادتهم، نقلًا عن الكتاب بما كان من الفتنة بين الصحابة ن؛ فإنهم اختلفوا واقتتلوا، وقتل بعضهم بعضًا، ولا شك أن شهادة بعضهم على بعض كانت جائزة مقبولة، وليس بين أصحاب الأهواء من الاختلاف أشد مما كان بينهم من القتال.
وفي موضع آخر علل فقال: إنهم للتعمُّق في الدين ضلوا عن سواء السبيل، ووقعوا في الهوى، وذلك لا يلحق تهمة الكذب بهم في الشهادة، فمِنْ أهل الأهواء من يعظم الذنب حتى يجعله كفرًا، فلا يتهم باعتبار هذا الاعتقاد أن يشهد بالكذِب، ومنهم من يقول بالفسق يخرج من الإيمان، فاعتقاده هذا يحمله على التحرُّز عن الكذب الموجب لفسقه، وقد بيَّنَّا أن شهادة الفاسق إنما لا تُقبل لتهمة الكذِب والفسق؛ من حيث الاعتقادُ لا يدل على ذلك، فهو نظير شُرب المثلث معتقدًا إباحته، أو يتناول متروك التسمية عمدًا معتقدًا إباحة ذلك، فإنه لا يصير به مرْدود الشهادة [2] .
وذكر ابن مازة في"المحيط البرهاني"هذا النقْل أيضًا فقال:
"واستدل محمد رحمه الله في"الكتاب"لبيان ذلك فقال: أرأيت أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ساعدوا معاوية مع مخالفة علي ط، ثم شدوا بين يدي علي ط، أكان يرد شهادتهم؟ ولا شك أنَّ مخالفة علي ط بعد عثمان ط بدْعة وهوى، فكيف الخروج عليه بالمسايفة؟ لكن لما كان عن تأويل وتدين، لم يمنع قبول الشهادة، فكذا هذا؛ ولأنه مسلم عدل في تعاطيه شهد لغيره من كل وجه، وهو من أهل الشهادة، فتقبل شهادته قياسًا على غير صاحب الهوى."
وإنما قلنا: مسلم؛ لأن الكلام في هوى لا يكفر به صاحبه، وإنما قلنا: عدل في تعاطيه؛ لأنه لم يرتكب ما هو محرم في دينه واعتقاده حرمته؛ مثل: حُرْمة شهادة الزُّور، حتى يستدل به ما في شهادة الزور ما وجد مِنْ فسق الاعتقاد لا يَدُلُّ على شهادة الزُّور؛ لأنَّه اعتقده مباحًا،
(1) "مُخْتَصَر اختِلاف العلماء"؛ للطحاوي (2/ 402) .
(2) )"المبسوط"للسرخسي (16/ 133) .