الصفحة 8 من 29

القسم الثالث: أن يسأل ويطلب ويتبيَّن له الهدى ويتركه تقليدًا وتعصُّبًا أو بغضًا أو معاداة لأصحابه، فهذا أقل درجاته أن يكونَ فاسقًا، وتكفيره محل اجتهاد وتفصيل، فإن كان معلنًا داعية ردتْ شهادته وفتاويه وأحكامه مع القدرة على ذلك، ولم تُقبل له شهادة ولا فتوى ولا حكم إلا عند الضرورة، كحال غلبة هؤلاء واستيلائهم وكون القضاة والمفتين والشهود منهم، ففي رد شهادتهم وأحكامهم إذ ذاك فسادٌ كثير، ولا يمكن ذلك فتقبل للضرورة.

ثم قال: وعلى هذا فإذا كان الناس فسَّاقًا كلهم إلا القليل النادر، قبلتْ شهادة بعضهم على بعض، ويحكم بشهادة الأمثل من الفساق فالأمثل، هذا هو الصَّواب الذي عليه العمل، وإن أنكره كثيرٌ من الفُقَهاء بألسنتهم.

وقال: وحرف المسألة أنَّ مدار قَبُول الشهادة وردها على غلَبة ظن الصِّدْق وعدمه، والصواب المقْطوع به أنَّ العدالة تتبَعَّض، فيكون الرجلُ عدْلًا في شيء، فاسقًا في شيء، فإذا تبين للحاكم أنه عدل فيما شهد به قبل شهادته، ولم يضره فسقه في غيره، ومن عرف شروط العدالة وعرف ما عليه الناس، تبيَّن له الصواب في هذه المسألة، والله أعلم [1] .

الأدلة:

أولًا: أدلة القول الأول: استدل من رد شهادة أهل الأهواء مطلقًا بالآتي:

-الأدلة التي يُستدل بها على رد شهادة الفاسق، وهذا مبنيٌّ على الحكم بفِسْق أهل الأهواء مطلقًا.

فقالوا: إنه أحد نوعي الفسق، فتُرَدُّ به الشهادة كالنوع الآخر.

-ولأن المبتدع فاسق، فتُرَدُّ شهادته للآية [2] .

-وقالوا هو فاسق بقوله، وفاسق لجهله ببدعته، فتضاعف فسقه.

ثانيًا: أدلة القول الثاني:

واستدل من قبل شهادتهم بما يلي:

أ- أن الهوى ناشئٌ عن التعمُّق في الدِّين، وذلك يصُدُّه عن الكذب، وقالوا: كل مستحل بتأويل من قوْل أو غيره، فشهادته ماضية لا تُرَدُّ مِن خطأ في تأويله.

وممن روي عنه ذلك:

1 -ابن أبي ليلى:

(1) "الطرق الحكمية"؛ لابن القيم (1/ 253 - 256) .

(2) "المغْني"لابن قدامة (12/ 28) ، والآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات/6] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت