القول في شهادة المتبع:
فأما المتبع: فهو من عمل بالحق ولم يخالف في المعتقد، كالمقلد من العامة للعلماء، فإن كان التقليد في الفروع، فهو فرضه، وهو عدل في معتقده وعمله، وإن كان تقليده في أصول التوحيد، فمن جوز تقليده فيها جعله عدلًا في معتقده وعمله، ومن منع التقليد فيها جعله مقصرًا في معتقده ومؤديًا في عمله، وعدالته معتبرة بسكون نفسه ونفورها، فإن كان ساكن النَّفس إلى صحَّة التقليد لم يخرج عن العدالة، وإن كان نافر النَّفس منه، خرج من العدالة.
القول في شهادة المخالف:
فصل: وأما المخالف فعلى ضربين: أحدهما: أن يخالف في العمل، والثاني: في المعتقد، فأما المخالف في العمل حكم شهادته، فهو أن يعتقد ما لا يعمل به، فإن كان في مباح، فهو على عدالته، وإن كان في واجب فسق به وخرج عن عدالته؛ لأنه تعَمَّدَ المعصية بترك ما اعتقد وجوبه، ويكون كالعمل بما اعتقد تحريمه.
وأما المخالف في المعتقد حكم شهادته، فمختلف الحكم بخلافه فيما انعقد عليه الدين، والدين منعقد على فروع وأصول؛ فالأصول: ما اختص بالتوحيد والنبوة، والفروع ما اختص بالتكليف والتعبد، وللأصول فروع، وللفروع أصول، فأما أصول الأصول، فما اختص بإثبات التوحيد وإثبات النبوة، وفروعه ما اختص بالصفات وأعلام النبوة.
وأصول الفروع ما علم قطعًا من دين الرسول صلى الله عليه وسلم، وفروعه ما عرف بغير مقطوع، فأما المخالف في أصول التوحيد والنبوة لا تقبل شهادته، فمقطوع بكفره، ويخرج من انطلاق اسم الإسلام عليه، وإن تظاهر به، فلا تثبت له عدالة، ولا تصح له ولاية، ولا تقبل له شهادة.
وأمَّا المخالف في فُرُوع الأصول من الصفات وأعلام النبوة، فهل تُقبل شهادته، فإن رده خبر مقطوع بصدقه مِنْ قرآن أو سنة وأثر، كان مخالفه كافرًا، لا تثبت له عدالة، ولا تصِحُّ له ولاية، ولا تقبل له شهادة، كذلك ما ردته العقول، واستحال جوازه فيها، وما لم يرده خبر مقطوع بصدقه، ولا عقل يستحيل به - نظر، فإن اتَّفق أهل الحق على تكفيره به، سقطت عدالته، ولم تصح ولايته، ولم تُقبل شهادتُه، وإنِ اختلف أهل الحق في تكْفيره به، فهو على العدالة وصحة الولاية وقبول الشهادة، فهذا أصْلٌ مُقَرَّر في الأصول، يغني عن ضرب مثل وتعيين مذهب [1] .
(1) "الحاوي في فقه الشافعي" (17/ 168 - 170) .