فإذا كان بلوغ الزمان (أو حتى بلوغ الحَدَث، أي المصدر) هو المقصود في الآية الكريمة فلا مشكلة، إذ سيقال حينئذ: إن ذا القرنين حين أتى عليه وقت المغرب وجد كذا وكذا، لكن ماذا لو كان مكان غروب الشمس هو المراد؟ والجواب هو أن الكاتبَينِ الألمَعِيَّين أنفسهما قد ذكرا ما معناه أنه لا غضاضة في أن يقول المتكلِّم حتى في عصرنا هذا: إن الشمس قد غربت في البحر أو في السهل أو فيما وراء الجبل ... إلخ، أليس كذلك؟ فهذا إذًا هو مغرب الشمس طبقًا لما تُجيزه اللغة الظاهراتية (phenomenological language) حسَب تعبيرهما، وعليه فإنه يجوز أيضًا أن يقال: إن فلانًا أو علانًا أو ترتانًا قد بلَغ مغرب الشمس، أي وصل إلى البحر أو الجبل أو السهل الذي رآها تغرُب عنده، وعلى هذا أيضًا فلا مشكلة! وأنا أحيلهما إلى ما سقُته في هذا المقال من تعبيرات مشابِهة في الكتاب المقدس، ومنها ما هو أبعدُ من الآية القرآنية في انتجاع هذه الاستمعالات المجازية! فما قول سيادتهما إذًا؟ ألا يرى القارئ معي أن الأسداد قد ضُربت عليهما تمامًا فلا يستطيعان أن يتقدَّما خطوة ولا أن يتأخَّرا؟ وبالمناسبة فقد تكرَّر الفعل"بلَغ"في صيغتي الماضي والمضارع هنا سبع مرات، وهو ما لم يتحقَّق لأية سورة أخرى غيرها، كما تعدَّدت صيغة"مفعِل"فيها:"مسجد، موعد (مرتين) ، مَوْبِق، مَصْرِف، مَوْئِل".
والعجيب أنهما يُورِدان بعد ذلك عددًا من النصوص القرآنية المجيدة التي تتحدَّث عن لزوم الشمس والقمر مسارًا سماويًّا دائمًا لا يخرجان عنه، وهو ما يعضِّد ما قلناه من أن الأمر في قصة ذي القرنين: إنما هو استعمالٌ مجازي أو وصفٌ لِما كان يظنُّه ذلك الرجل في نفسه بخصوص غروب الشمس لا لما وقع فعلًا خارج ذاته؛ لأن القرآن يؤكِّد وجود مسارات سماوية دائمة لهذين الجِرمين، بيد أنهما كعادتهما يحاولان عبثًا لَيَّ الآيات الكريمة عن معناها؛ كي تدلَّ على ما يريدان هما على سبيل القسر والتعنت! وعلى هذا فقول المؤلِّفينِ: إنه إذا كان المفسِّرون المسلمون يشرحون الآية القرآنية بما يَصرِفها عن معناها الحرفي فذلك لأنهم يعرفون أن الشمس أكبر من الأرض، ومن ثم يستحيل أن تَسعَها أيُّ عين فيها، ولأنهم أيضًا يؤمنون بعصمة القرآن مما يدفعهم من البداية إلى تأويل الآية بحيث لا تدلُّ على أن ثمة خطأ علميًّا قد ارتُكِب هنا، أكرِّر أن قول المؤلِّفَين هذا هو قول متهافِت بِناء على ما أورداه من أنفسهما من آيات قرآنية تنصُّ على أن لكل من الشمس والقمر مسارًا فلكيًّا دائمًا لا يُفارِقه، ومن ثم فمن المضحك أن نتمسَّك بحرفيَّة المعنى في الآية المذكورة بعد كل الذي قلناه وقالاه هما أيضًا، والعجيب أيضًا أن المؤلِّفَين يَعمَيان، أو بالحري: يتَعاميان عن أنه كان أولى بهما، بدلًا من تضييع وقتهما في محاولتهما الفاشلة لتخطئة القرآن الكريم، أن يحاوِلا إنقاذ الإنجيل مما أوقَعه فيه النص التالي مثلًا