فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 19

قد ارتكَب خطأ علميًّا فاحشًا بظنِّه أن القصة الخرافية التي وصلت إلى سمعه هي حقيقة تاريخية:

أي إن سيادتهما يَريان أن كلمة"مغرب الشمس"لا تعني إلا مكان غروب الشمس، وأن معنى الكلام لا يمكن أن يكون إلا ما رأياه بسلامتهما، فلننظر إذًا في هذا الكلام لنرى نحن أيضًا مبلَغه من العلم أو الجهل: فأما أنَّ"غروب الشمس"لا تَعْني هنا إلا المكان الذي تغرب فيه الشمس فهو كلام غبي كصاحبيه؛ إذ إن صيغة"مفعِل" (التي جاءت عليها كلمة"مغرِب") قد تعني المكان، أو قد تعني الزمان، بل قد تعني المصدرية فقط، وهو ما يَجِده القارئ في كتب الصرف والنحو في بابي"اسم الزمان والمكان"و"المصدر الميمي"؛ أي إن الآية قد يكون معناها أن ذا القرنين قد بلَغ مكان غروب الشمس أو أن يكون قد بلَغ زمان غروبها؛ إذ البلوغ كما يقع على المكان فإنه يقع على الزمان أيضًا (فضلًا عن الأشياء والأشخاص) ، جاء في مادة"بَلَغَ"من"تاج العروس": بلغ المكان، بُلوغًا، بالضم: وصَل إليه وانتهى، ومنه قوله -تعالى-: {لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} [النحل: 7] ، أو بلغه: شارَف عليه، ومنه قوله -تعالى-: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} [البقرة: 234] ؛ أي: قارَبنه، وقال أبو القاسم في"المفردات": البلوغ والإبلاغ: الانتهاء إلى أقصى المقصِد والمنتهى، مكانًا كان أو زمانًا، أو أمرًا من الأمور المقدَّرة، وربما يعبَّر به عن المشارَفة عليه، وإن لم يُنتهَ إليه، فمن الانتهاء: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [الأحقاف: 15] ، و {مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ} [غافر: 56] ، {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} [الصافات: 102] ، و {لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ} [غافر: 36] ، و {أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ} [القلم: 39] ؛ أي: منتهية في التوكيد، وأما قوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2] ، فللمُشارَفة، فإنها إذا انتهت إلى أقصى الأجل لا يصحُّ للزوج مراجعتها وإمساكها، وبلَغ الغلام: أدرَك، وبلغ في الجَودة مبلغًا، كما في"العباب"، وفي"المحكم":"أي احتَلَم، كأنه بلَغ وقت الكتاب عليه والتكليف، وكذلك: بلَغتِ الجارية".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت