السخونة فهي حامية، وهي أيضًا حمئة؛ لكثرة ما فيها من الحمأة السوداء والماء، فقوله: {تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} إشارة إلى أن الجانب الغربي من الأرض قد أحاط به البحر، وهو موضِع شديد السخونة، الثالث: قال أهل الأخبار: إن الشمس تغيب في عين كثيرة الماء والحَمْأة، وهذا في غاية البُعد؛ وذلك لأنا إذا رصدنا كسوفًا قمريًّا فإذا اعتبرناه ورأينا أن المغربيِّين قالوا:"حصَل هذا الكسوف في أول الليل"، ورأينا المشرقيِّين قالوا:"حصل في أول النهار"، فعلِمنا أن أول الليل عند أهل المغرب هو أول النهار الثاني عند أهل المشرق، بل ذلك الوقت الذي هو أول الليل عندنا فهو وقت العصر في بلد، ووقت الظهر في بلد آخر، ووقت الضحوة في بلد ثالث، ووقت طلوع الشمس في بلد رابع، ونصف الليل في بلد خامس. وإذا كانت هذه الأحوال معلومة بعد الاستقراء والاعتبار، وعلِمنا أن الشمس طالعة ظاهرة في كل هذه الأوقات كان الذي يُقال: إنها تغيب في الطين والحَمْأَة كلامًا على خلاف اليقين، وكلام الله -تعالى- مبرَّأ عن هذه التهمة، فلم يبقَ إلا أن يُصار إلى التأويل الذي ذكرناه، ثم قال -تعالى-: {وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا} ، الضمير في قوله:"عندها"إلى ماذا يعود؟ فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى الشمس، ويكون التأنيث للشمس؛ لأن الإنسان لما تخيَّل أن الشمس تغرُب هناك كان سكان هذا الموضِع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس، والقول الثاني: أن يكون الضمير عائدًا إلى العين الحامية، وعلى هذا القول فالتأويل ما ذكرناه"."
ومع هذا كله يريد الكاتبان المذكوران آنفًا (Sam Sahamoun و Jochen Katz) ، أن يُعيدانا مرة أخرى إلى المربع رقم واحد، إذ يقولان: إن مؤلِّف القرآن (يقصِدان بالطبع الرسول الكريم - عليه الصلاة والسلام - نعم عليه الصلاة والسلام رُغم أنفهما وأنف رشاد خليفة وتابعة قُفّة) قد ذكَر أن ذا القرنين وجد الشمس تغرب في عين حمئة، ولم يقل: إنها كانت تبدو له كذلك، وهذا رغم قولهما: إننا لا نزال حتى الآن، ورُغم كل التقدم العلمي والفلكي والجغرافي، نقول: إن الشمس تشرق وتغرب، ولم يقولا: إن على الواحد منا أن يوضِّح أن الأمر إنما يبدو فقط كذلك، فلماذا الكيل بمكيالين هنا؟ ترى أي خُبْث هذا الذي أتياه حين أرادا في البداية أن يتظاهرا بالموضوعية والحياد والبراءة كي يخدِّرا القارئ ويوهِماه أنهما لا يريدان بالقرآن شرًّا ولا تدليسًا، ثم سَرعان ما يَستديران بعد ذلك ويلحسان ما قالاه؟
ثم يمضي العالِمان النِّحريرانِ فيقولان: إن القرآن يؤكِّد أن ذا القرنين قد بلَغ فعلًا المكان الذي تغرب فيه الشمس، وهو ما لا وجود له على الأرض، مما لا معنى له البتة، إلا أن مؤلِّف القرآن