فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 19

{وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} [الكهف: 86] : ذات حَمْأة، وهي الطين الأسود، وغروبها في العين: في رأي العين، وإلا فهي أعظم من الدنيا"، وأرجو ألا يَغيب عن ناظر القارئ الحصيف كيف أن ابن كثير يلقي باللوم في أمر التفسيرات الخرافية في الآية على زنادقة أهل الكتاب وكذَّابيهم، مما يدلُّ على أن القوم هم هكذا من قديم لم تتغيَّر شنشنتهم، وأن فريقًا من علمائنا كانوا واعين بالدور الشرير الذي كانوا يضطلِعون به لتضليل المسلمين بإسرائيلياتهم، وكانوا يعملون على فضْح سُخْفهم ومؤامراتهم."

أما الرازي فإني أودُّ أن نقف معه قليلًا لنرى كم يبلغ جهل عبدالفاضي وبلادته وتدليسه هو وأشباهه؛ إذ إن مفسِّرنا العظيم قد أشبَع القول في هذا الموضوع بما يكفي لقطع لسان كل زنديق كذَّاب، قال العلامة المسلم - عليه رضوان الله: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف: 86 - 89] : اعلَم أن المعنى أنه أراد بلوغ المغرب فأتْبع سببًا يوصِّله إليه حتى بلَغه، أما قوله: (وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) ففيه مباحث: الأول: قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم"في عين حامية"بالألف من غير همزة، أي حارة، وهي قراءة ابن مسعود وطلحة وابن عامر، والباقون:"حمئة"، وهي قراءة ابن عباس، واعلَم أنه لا تَنافي بين"الحمئة"، و"الحامية"، فجائز أن تكون العين جامعة للوصفين جميعًا.

البحث الثاني: أنه ثبَت بالدليل أن الأرض كرة وأن السماء مُحيطة بها، ولا شك أن الشمس في الفلك، وأيضًا قال: {وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا} ، ومعلوم أن جلوس قوم في قُرب الشمس غير موجود، وأيضًا الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة، فكيف يُعقَل دخولها في عين من عيون الأرض؟ إذا ثبَت هذا فنقول: تأويل قوله: {تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} من وجوه، الأول: أن ذا القرنين لما بلَغ موضعها في المغرب، ولم يبقَ بعده شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين وهدة مظلِمة، وإن لم تكن كذلك في الحقيقة، كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم يرَ الشط، وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر، هذا هو التأويل الذي ذكَره أبو علي الجبائي في تفسيره، الثاني: أن للجانب الغربي من الأرض مساكن يحيط البحر بها، فالناظر إلى الشمس يتخيَّل كأنها تغيب في تلك البحار، ولا شكَّ أن البحار الغربية قوية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت