وتارَةً يُخالِفه تمامَ المخالفة، وذلك إذا برقت له ملامِحُ البُعد عن مذهب السلف، ولهذا رأيتُ من الأهميَّة بمكان أنْ تُدرَس آراء ابن رشد الاعتقاديَّة إلى جانب آراء شيخ الإسلام ابن تيميَّة؛ لكي يتجلَّى من خِلال هذه الدراسة مذهب ابن رشد بالفعل، وهل كان موفقًا للحقِّ في كلِّ رأيٍ من آرائه؟ وهل وُفِّقَ للصواب في كلِّ مسألةٍ نقَد فيها المتكلمين، أم أنَّه أخفَقَ في بعض جوانب النقد، ولم يحالفه الصواب في بعض المسائل.
وكذلك يتَّضح من خلال هذا البحث مَدَى قُرب ابن رشد أو بعده عن مذهب السَّلَف في الإلهيَّات.
وكذلك يقفُ هذا البحث بالقارئ على آراء الإمام ابن تيميَّة في عددٍ من المسائل بأيسر سبيل وأقلِّ كلفة، ويجمع آراءه التي فرَّقَها في مُصنَّفاته، ويُوضِّح بعضَ جوانب نقْده للفلاسفة؛ فإنْ يكن الغزالي قد اشتهر بنقْده للفلاسفة، وتحدَّثت الأوساط العلميَّة عن كتابه"تهافت الفلاسفة"الذي هاجمهم فيه هُجومًا عنيفًا - فإنَّ نقْد ابن تيميَّة للفَلاسفة لا يقلُّ أهميَّةً عن نقْد الغزالي؛ لا سيَّما وأنَّ نقد ابن تيميَّة للفلاسفة من وجهة نظر سلفيَّة تعتَمِدُ في إيراد الحجج ودفْع المعارضات على الكتاب والسنَّة.
وأمَّا الغزال فقد استعانَ في ردِّه على الفلاسفة بجميع آراء فِرَقِ أهل القبلة، مُبرِّرًا هذا المنهج بأنَّه عند الشدائد تذهَبُ الأحقاد!
ومن الأمور التي تُبرِز أهميَّة البحث في هذا الموضوع أنَّه يهتمُّ إلى جانب بَيان موقف ابن تيميَّة من آراء ابن رشد، ببَيان موقفِ ابن تيميَّة من آراء المعتزلة والأشاعرة - أيضًا - ويكشف عن بعض أخطائهم، ومَنشأ تلك الأقوال الفاسدة، والدافع الذي دفعَهُم إلى تلك الأقوال؛ وهذا الأمر ضروريٌّ جدًّا لطالب العلم، فضلًا عن المتخصِّص في علم التوحيد.
وقد كان ابن تيميَّة - في نقْده لتلك الفرق المخالفة لمذهب أهل السنَّة - كالمجاهد في ساحة المعركة يتحرَّف لقتال، وينتقل من فئةٍ ليتحيَّز إلى فئةٍ حسب ما تقتضيه أحوالُ المعركة؛ الأمر الذي جعل الحصول على آرائه المتفرِّقة في مواضع مختلفة من مصنَّفاته المتعدِّدة أمرًا ليس ميسورًا؛ فجاء هذا البحث ليُسهِم - ولو بقدرٍ ما - في جمع شَتات تلك الآراء المتفرقة، وبيان موقف ابن تيميَّة من المعتزلة، أو الأشعريَّة، أو ابن رشد، ويبسط رأيه أمامَ القارئ في أسرع وقت وأقلِّ جهد.