الصفحة 10 من 44

ويمكن للقارئ أنْ يقفَ من خِلال هذا البحث على مَواطن الضَّعف في أدلَّة المتكلمين، ويتَّضح له فَسادُ مَسالكهم، ويُدرِك الأسبابَ التي أفضَتْ بهم إلى تلك الأقوال المبتدَعة.

وإذا اتَّضح للقارئ ذلك كلُّه عَلِمَ أنَّ صريحَ المعقول لا يخالف صحيح المنقول، بل يُوافِقه ويشهَدُ له، وأنَّ مَنشأ تلك الأقوال المبتدَعة التي تردَّى فيها المتكلِّمون إنما هو تلك المسالك الباطلة والمناهج المبتدَعة التي سلَكَها المتكلِّمون في إثبات العَقائد الدينيَّة!

تحديد الجوانب التي يرتَكِز عليها محور البحث:

يتجلَّى من خِلال عنوان هذا البحث أنَّه موازنةٌ بين آراء ابن تيميَّة وآراء ابن رشد في الإلهيَّات.

وإذا كان موضوعُ البحث ينصبُّ على الإلهيَّات، فمن نافلة القول أنْ أذكر أنَّني لن أتَّجه في هذا البحث إلى الكلام عن فلسفة ابن رشد جملةً وتفصيلًا، ولن أتكلَّم - مثلًا - عن النُّبوءات ولا عن السمعيَّات عامَّة، وفلسفة ابن رشد في أمور البعث خاصَّة، ولن أتعرَّض لآرائه في مجال الإنسان، وهي الآراء التي تتعلَّق بالجبر والاختيار، ومشكلة الخير والشر، والقضاء والقدر، والتحسين والتقبيح، والصلاح والأصلح.

ولكنَّني أريدُ أنْ أقتَصِر في بحثي هذا على جوانب مُعيَّنة من الإلهيَّات؛ ذلك بأنَّ مجال الإلهيَّات - بمفهومها الواسع - مجال رحْب جدًا، يندرج تحته مسائل عديدة ومتشعِّبة، لا يستوعبها بحثٌ كهذا البحث، ولا تحيطُ بدَقائقها وتفاصِيلها مُدَّةٌ كهذه المدَّة المخصَّصة له؛ فهي أعلى وأعظم من أنْ تُبحَث في مرحلةٍ كهذه المرحلة.

والسبب في ذلك أنَّنا نجد أنَّ الإلهيَّات بمفهومها الواسع اصطِلاحٌ يُطلَق على كلِّ ما يتعلَّق بذات الإله، وصفاته، وأفعاله، ولا أُبالِغ حين أقول: إنَّه يمكن أنْ يدرج تحت الإلهيَّات جميع مباحث العقيدة حتى النبوَّات والقضاء والقدر والمعاد؛ لأنها أمورٌ متعلِّقة بأفعال الله - تعالى.

ولم أتحدَّث عن أفعال الله؛ لأنَّني وجدت أنَّ ابن رشد يدرج تحتَها مسائل عديدة؛ مثل: خلق العالم، وإرسال الرسل ومعجزاتهم، وما يجبُ في حقِّهم وما يستحيلُ، ومشكلة القضاء والقدر، وما يتعلَّق به من مسائل الجور والعدل، والتحسين والتقبيح ...

ويُدخِل ابن رشد تحت أفعال الله - أيضًا - مسألة المعاد وأحواله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت