وأيضًا تميَّز ابن رشد في بعض المسائل بآراء خاصَّة جعلت آراءه تتميَّز عن المعتزلة والأشعريَّة، وقد كان رأيُه فيها موافقًا لمذهب السَّلَف، أو قريبًا منه.
وكذلك سلك ابن رشد في الاستدلال على وُجود الله منهج القُرآن واستدلَّ بأدلَّته، فاستعمَلَ دليل الخلق والعناية اللذَيْن ورد بهما القُرآن.
تم نقَد مَسالك المتكلمين بأدلَّة عقليَّة يقينيَّة وفنَّد طرقهم في إثبات العقائد الدينيَّة، ثم إنَّ ابن رشد قد قرَّر بدلائل عقليَّة يقينيَّة إثبات العلوِّ لله - سبحانه - مُؤكِّدًا على أنَّ براهين العقل الصحيحة تَقضِي بإثباته، وقد سفَّه أحلامَ المتكلِّمين الذين زعَمُوا أنَّ أدلَّة العقل تدعو إلى نفيِه وإنكاره.
فإنْ كان المتكلمون يزعُمون أنَّ الدلائل العقليَّة والإجماع يَقضِي بتأويل العلوِّ، فإنَّ ابن رشد يتقدَّم لنسف هذه الدعوى، مبينًا أنَّ الأدلَّة التي استند عليها المتكلمون وبنوا عليها كثيرًا من آرائهم الاعتقاديَّة هي أدلَّة ظنيَّة مبتدعة باطلة، لا يثبت بها المطلوب، ولا يصحُّ التصديق بنتائجها، وقد زاد ابن رشد على هذا كله أنَّه خرَق ذلك الإجماعَ المزعومَ الذي يدَّعِيه نُفاة العلوِّ من المتكلمين.
فإذا كان المتكلِّمون يدَّعون أنَّ أدلَّتهم العقليَّة على آرائهم الاعتقاديَّة أدلَّة يقينيَّة، ويَزعُمون أنَّ أهل العقول قد أجمعوا على نفْي العلو، فقد نشأ من أبناء جلدتهم مَن يهدم هذه الدعوى ويُناقِشهم في آرائهم الاعتقاديَّة التي خالَفُوا فيها الشرع بنفس سِلاحهم، فينسف ذلك الإجماعَ المزعومَ، ويُبيِّن زيف تلك الأقوال ... وفي ذلك نصرٌ مؤزرٌ يفرَحُ به أهل الحق، ويزدادوا به ثَباتًا ويَقِينًا فوق ما تقرَّر لديهم من اليقين الذي دلَّت عليه دلائل الكتاب والسنَّة.
وكذلك يهدم ابن رشد - بمنهجه النقدي لمسالك المتكلِّمين - الأساس الذي بنَوْا عليه نفيَ الصفات الخبريَّة، والأفعال الاختياريَّة.
وكذلك يُبيِّن ابن رشد - في أثناء نقدِه للمتكلِّمين - أنَّ تحريف معاني النُّصوص عن دَلالتها الظاهرة بالتأويلات الفاسدة، مفسدٌ للعقيدة وصادٌّ عن سبيل الله.
كذلك نجدُ ابنَ تيميَّة يذكُر آراءَ ابن رشد في مواضع مُتفرِّقة من مُؤلَّفاته المتعدِّدة ويُناقِشها، فنجدُه تارَةً يُوافِقه على آرائه، بل يستحسنها - أحيانًا - وقد يضيفُ على أدلَّته تفصيلًا وتحريرًا يكمل وجْه القصور فيها.