الصفحة 7 من 44

وقد سلَك المتكلِّمون بسبب هذا المنهج مسالك وعرة، والتزَمُوا لأجله لوازِمَ فاسدة في العقل والدِّين، وانزلقوا في أقوالٍ تُخالِف ما دلَّ عليه الكتاب والسنَّة؛ ولهذا تردَّى المتكلمون - بسبب دليل الجواهر والأعراض الذي استدلوا به على حُدوث العالم وإثبات الصانع - في أقوال مزلَّة، وآراء مضلَّة؛ حيث نفَى المعتزلة والأشعريَّة - بسبب هذه الطريقة - علوَّ الله على خلقه، وأنكَرُوا سائر الصفات الخبريَّة، والأفعال الاختياريَّة، وقالت الأشعريَّة بأنَّ الله يُرَى لا في جهة، وأنَّ كلامه معنى واحدٌ قائم بالنَّفس.

وبسبب هذه الطريقةِ - أيضًا - قالت المعتزلة بخلْق القرآن، ونفْي الصفات مطلقًا، وإنكار رُوية الله بالأبصار في دار القرار.

وقد هَبَّ أهل السنَّة والجماعة - قديمًا وحديثًا - لردِّ هذا الخطر الذي سرى في الأمَّة الإسلاميَّة، وتصدَّوا لدفْعه بكلِّ وسيلة، فبيَّنوا من أوَّل وهْلة بُطلان هذا المنهج في دِراسة العقيدة، ثم بيَّنوا ما في أقوال المتكلمين من زيفٍ وتكلُّفٍ، وبيَّنوا الحق، وردوا الباطل بأدلَّة عقليَّة ونقليَّة، وشُهرة موقف علماء السلف من عِلم الكلام المذموم وردهم على نُفاة الصفات تُغنِي عن الإطالة في ذِكره.

وقد أسهَمَ الفيلسوف ابن رشد في كشْف أخطاء المتكلِّمين، ونَقَدَ منهجهم في الاستدلال على العقائد الدينيَّة، وقد وافَقَه ابن تيميَّة على ذلك النقد، وإنْ كان لكلِّ واحدٍ منهما وجهة هو مُولِّيها، وغاية يرمي إليها، وطريقة في النقد يستضئ بها ويمتَطِيها.

وقد استَخَرتُ الله - سبحانه - في الكتابة في هذا الموضوع؛ ليكون مجالَ البحث في هذه الرسالة العلميَّة التي تقدَّمتُ بها لنيل درجة الماجستير من قسم العقيدة التابع آنَذاك لكليَّة الشريعة والدراسات الإسلاميَّة بجامعة أم القرى، وقد جعَلتُ عنوان هذا البحث:

(بين ابن تيميَّة وابن رشد في الإلهيَّات)

أهميَّة الكتابة في هذا الموضوع وأسباب اختياره:

إنَّ مَن يمعن النظَر في كتب ابن رشد المؤلَّفة في العقيدة يُلاحِظ أنَّ آراءَه امتازَتْ بطابعٍ مُعيَّن جعلَتْه ينفرد أحيانًا عن سائر الفلاسفة؛ كابن سينا، والفارابي، والكندي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت