وكذلك نجدُ القرآن يهتمُّ بتوحيد الأسماء والصِّفات، فيَصِفُ الله - سبحانه - بصِفات الكمال، ونُعوت الجلال، ويُنزِّهه عن صِفات النقص والعيب.
وجاء الشرع ببَيان ما يجبُ لله من التقديس والتنزيه، فنزَّه الله - سبحانه - عن الشريك، والندِّ، والمثيل، والشبيه، والصاحبة، والولد ...
ونزَّه الله نفسَه عن صِفات النقص التي تلحَقُ المخلوق، ولا يتَّصِفُ بها الخالق، فنزَّه الله نفسَه عن العجز والتَّعَبِ، والغفلة، والسهو، والنوم، والفقر ... وجاء القُرآن فبيَّن قضيَّة التوحيد والتنزيه بيانًا شافيًا، وأرسى دَعائِمَها على أساسٍ ثابت من اليقين، والجزم، والإقناع.
ورغم أنَّ القُرآن قد قرَّر الأدلَّة اليقينيَّة على إثبات العَقائد الدينيَّة، إلا أنَّنا نجدُ أنَّ الإنسان الذي وصَفَه الله بالضعف والظُّلم والجهل قد غفل في حِقبةٍ من الزمن وفترة من فترات ضعفه وسهوه، عن أدلة الشرع وبراهينه، واستبدَلَها بأدلةٍ عقليَّة ابتَكرَها عقلُه العاجز الكليل، فاستبدَلَ الذي هو أدنى بالذي هو خير.
وقد حملت تلك الأدلَّة البشريَّة صِفات المصدر الذي أتَتْ منه؛ فلحقها الضَّعف والعجز الذي يُلازِم العقلَ البشري العاجز عن الإحاطة بكلِّ شيءٍ؛ فكانت تلك الأدلَّة أدلَّةً ظنيَّة ضعيفةً تفضي إلى شكوك عويصة يَصعُب حلها، وشُبَه يعسر دفعُها.
وممَّا يُؤسَف له أنَّ فريقًا من المسلمين سلَكُوا هذا المنهج في دراسة العقيدة، وأُشرِبُوا في قلوبهم حبَّ المناهج الفلسفيَّة والطرق الكلاميَّة، واستعانوا في هذا السبيل بالمنطق الأرسطي والفلسفة اليونانيَّة؛ فاستبدَلُوا أدلَّة الشرع وبراهينَه بأدلَّة عقليَّة متفنِّنة يظهَرُ فيها التكلُّف والتمحُّل، ويخلع عليها الجدل صُورة قاتمة، الأمر الذي جعَل العقول السليمة والنُّفوس المستقيمة تَزدادُ عنها نُفورًا وفِرارًا.
ويظهَرُ هذا الاتجاه بارزًا عند الفلاسفة في الإسلام؛ كالكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد ... وسائر الفلاسفة وظهر - أيضًا - ولكن بقدْر أقل عند المعتزلة، ثم عند مُتأخِّري الأشعريَّة الذين خلَطُوا علم العقيدة بالمنطق والفلسفة، فالتبسَتْ مسائل العقيدة بالفلسفة والمنطق حتى بات التمييز بين الفنَّيْن عسيرًا، والحصول على النتيجة في المسألة ليس يسيرًا، وقد سُمِّي أصحابُ هذا المنهج عند سائر المسلمين بالمتكلِّمين.