وقد وضَّح الكتاب الحكيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خَلفه قضيَّةَ التوحيد أكمَلَ بيان، فقرَّر دلائل التوحيد، وأقام براهين التنزيه.
فبيَّن وحدانيَّة الله في ربوبيَّته، وألوهيَّته وأسمائه وصفاته، وأكَّد على أنَّ الله متَّصفٌ بصِفات الكمال، ومُنزَّه عن صِفات النقص.
وقد امتازَتْ أدلَّة القُرآن بمميِّزاتٍ يستحيلُ وجودُها في المسالك الكلاميَّة والمناهج الفلسفيَّة؛ وذلك لأنَّ أدلَّة القُرآن وحيٌ من عند الله لا يتطرَّق إليها الباطل أو الشكُّ أو التناقض بأيِّ سبيلٍ من السُّبُل.
وهي - أيضًا - أدلَّة نقليَّة وعقليَّة في آنٍ واحد تخاطب الوجدان، وتستَثِير الحسَّ، وتُصدِّق بها القلوب، وتطمئنُّ لها النُّفوس، وتضطرُّ العقول اضطرارًا إلى الإذعان والتسليم بها.
ثم إنها أدلَّة سَهلةُ المسلك، قريبةُ المدرك، بسيطة المقدمات، قريبة النتائج، تُخاطِب جميعَ الناس على اختلاف مستوياتهم، وتفاوُت قُدراتهم فتستَولِي على مَشاعرهم وتأخُذ بعُقولهم وألبابهم، فيؤمنون بما جاءت به، ويَنقادون لما دعت إليه دون تكلُّف أو عَناء.
وفد أقام القرآن الكريم الأدلَّة على وجود الله، وبثَّ دلائل وُجودِه في الكون، ودعا الناس إلى التفكُّر في الآفاق والأنفس، وترجع تلك الأدلَّة في مجملها إلى دليلين: دليل الخلق، ودليل العناية.
وتلك الأدلَّة التي عرَضَها القُرآن هي في حقِّ أصحاب الفطرة السليمة: الذين أقرُّوا بوجود الله بمقتضى الفطرة التي أركَزَها الله وغرسها في نفس كلِّ مولودٍ من بني آدم - عاملٌ من عوامل تثبيت الإيمان وزيادته.
وأمَّا الذين انحرَفتْ فطرتُهم عن الصواب - بسبب عاملٍ من عوامل فَساد الفطرة - فمالُوا إلى الشِّرك بالله، أو إلى الإلحاد، فإنَّ تلك الأدلَّة تُعتَبر لهم بمثابة عِلاج يُداوي تلك الفطرة المريضة التي انحرَفتْ عن مَسارها الصحيح؛ وهو الاعتِرافُ بوجود الخالق وتوحيده؛ لأنَّ الأصل هو اتِّجاه النُّفوس البشريَّة إلى التوحيد، وأمَّا الشرك فهو حادثٌ طارئ على بني آدم.
وكذلك نجدُ القُرآن الكريم يَسلُك مَسالك عديدة وأساليب بَدِيعةً ومتنوعة في الدَّعوة إلى توحيد الألوهيَّة، وإفراد الله بالعبادة، مبينًا ببراهين باهرة وأدلَّة ظاهرة أنَّ تلك المعبودات التي تُعبَد من دُون الله لا تستحقُّ أنْ يُصرَف لها شيءٌ من العبادة.