وتُذكَر في جهوده وآثاره؛ إذ إنَّ لنقده للمتكلمين أثرًا جميلًا أبْقاه، وجُهدًا مشكورًا أبداه، حتى جاء ابن تيميَّة فأتَمَّه حتى استَوْفاه.
ذلك بأنَّ ابن تيميَّة بَحَثَ قضيَّة التوحيد بحثًا عميقًا ودقيقًا، وكان بحثُه لها غايةً في التحرير والتقرير، والتحقيق والتدقيق، حيث بيَّن - رحمه الله - أنَّه يجبُ الإقرارُ بوحدانيَّة الله في رُبوبيَّته، وألوهيَّته، وأسمائه وصفاته، وأنَّه لا يكتمل توحيدُ العبد حتى يُحقِّق هذه الأمور مجتمعةً؛ لأنَّ أنواعَ التوحيد الثلاثة متلازمةٌ في الوجود لا ينفكُّ بعضها عن بعض، ولا يجوزٌ للعبد أنْ يُهمِل واحدًا منها.
ثم بيَّن ابن تيميَّة أنَّ الغاية في التوحيد ليست مجرَّد الإقرار بتوحيد الربوبيَّة كما فعَل المتكلِّمون الذين صرَفوا جُلَّ اهتمامهم إلى هذا النوع غافِلين عن توحيد الألوهيَّة الذي دَعَتْ إليه الرُّسل ونزَلتْ به الكتب، وهو أوَّل ما يستفتح به كلُّ رسول دعوته إلى قومه.
ثم بيَّن ابن تيميَّة أنَّ مجرَّد الإقرار بتوحيد الربوبيَّة الذي تعب المتكلمون في تقريره، لا يَكفِي وحدَه في دخول العبد في الإسلام فضلًا عن أنْ يكون مُوحِّدًا كامل التوحيد؛ لأنَّ مُشرِكي العرب الذين بُعِثَ إليهم الرسول كانوا يُقرُّون بهذا النوع من التوحيد، ويعترفون بأنَّ الله هو الخالق الرازق، المحيي المميت، الضار النافع، فلم ينفَعْهم ذلك الإقرار، ولم ينفِ عنهم تَبِعَةَ الشرك.
وبعدَ هذا أقرَّ ابن تيميَّة المتكلِّمين على الاستدلال بدليل التمانُع على إثبات أنَّ خالق العالم واحد، وبيَّن أنَّه برهان صحيح على إثبات أنَّ العالم لم يصدر عن خالقين، وأنَّه برهان صحيح على إثبات هذا المطلوب، ثم قرَّره تقريرًا بديعًا خيرًا من تقرير المتكلمين.
وكذلك نقَد ابن تيميَّة بعض المتكلِّمين الذين زعَمُوا أنَّ أدلَّة القرآن على التوحيد أدلَّة خطابيَّة إقناعيَّة، مبينًا أنَّ أدلَّة القرآن أدلة شرعيَّة وعقليَّة في آنٍ واحد، وأنها براهينُ قاطعة على إثبات دلائل التوحيد.
26 -أظهر البحث اتِّفاقَ ابن تيميَّة وابن رشد على بَيان خطَأ المتكلِّمين في استنباط دليل التمانُع من قوله -تعالى-: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] ، ثم بيَّن ابن تيميَّة أنَّ هذه الآية دليلٌ على توحيد الألوهيَّة وإفراد الله بالعبادة، فهي تُوضِّح أنَّ صلاح بني آدم واستِقامة أمر الكون بأسْره إنما يَتحقَّق بعبادة الله وحدَه دون شريك، وتطبيق منهج الله في جميع شُؤون