وأمَّا ابن رشد فقد أدرَج في مسمَّى التوحيد نفي الصفات، وعمد إلى القول بأنها عينُ الذات، وتردَّى في القول بنفْي رؤية الله بالأبصار في دار القَرار، وهذا قول مُبتدَع لم يردْ به الكتاب والسُّنَّة، بل هو مناقضٌ للتوحيد الذي جاء به القُرآن ودعا إليه الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم.
24 -أبرز البحث نقْد ابن رشد للمُتكلِّمين في مسألة الوحدانية حيث تعرَّض لنقد دليل التمانُع الذي استدلَّ به المتكلمون على أنَّ خالق العالم واحد، وأنَّه لم يصدر عن خالقين؛ ولكنَّه لم يأتِ في نقده لهذا الدليل بما هو جديد أو طريف، بل ردَّد جملة اعتراضات طالما أورَدَها المتكلمون أنفسهم على هذا الدليل ثم أجابوا عنها!
وكذلك نَقَدَ ابن رشد المتكلِّمين في استدلالهم ببعض الآيات القرآنيَّة على التوحيد؛ فبيَّن أنهم أخطَؤُوا في استِنباط وجه الدلالة من قوله -تعالى-: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] ، فبيَّن ابن رشد أنَّ دليل التمانُع لا يُستَنبَط من هذه الآية؛ لأنها لا ترشد إليه وليس فيها تمانع أصلًا.
25 -أظهر البحث أنَّ ابن رشد رغم أنَّه وضح بعض أخطاء المتكلمين في الوحدانيَّة، إلا أنَّه لم يُوفَّق تمامًا إلى الصواب في مسألة الوحدانيَّة؛ حيث أهمل - هو الآخر - الحديث عن توحيد العبادة (الألوهيَّة) ، وفسَّر الإله بأنَّه: القادر على الاختراع يُضاهِي، بذلك قول المتكلمين من قبل؛ ولهذا فإنَّ مذهبه في الوحدانيَّة لم يسلَمْ من الخطأ.
كذلك أخفَقَ ابن رشد في باب توحيد الأسماء والصفات فلم يُوفَّق في بحثها إلى الحق.
وبِناءً على ما سبق، أستطيع أنْ أجزم بأنَّ مذهب ابن رشد في مسألة التوحيد ونقده للمتكلمين في قضيَّة الوحدانيَّة لم يبلغ درجة الكمال، بل ترك وراءه ثغرات يمكن لِمَن جاء بعده أنْ يستدركها عليه.
ولكنْ حسب ابن رشد أنَّه وقف واستوقَف مَن قرأ له على أخطاء المتكلِّمين وضلالهم في التوحيد، وأنَّه نقَد الأشعريَّة نقدًا لاذعًا في وقتٍ كان يدَّعي فيه أئمَّة هذا المذهب وأتْباعه أنَّه المذهب الحق، وأنَّه مذهب أهل السنَّة والجماعة، فتعدَّى ابن رشد لنقْد ذلك المذهب، وهدَم الأسس التي يقوم عليها غير مهتمٍّ بماله من مكانةٍ في نفوس أتْباعه ... وهذه مكرمة يُسجِّلها التاريخ لابن رشد،