الصفحة 28 من 44

20 -أظهَرَ البحث أنَّ الإمام ابن تيميَّة قد وافَق ابنَ رشد على الاستدلال بهذين الدليلين وأيَّدَه على الاستدلال بهما، واستحسن عرضه لهما، ولكنَّه أخَذ عليه مَأخَذًا دقيقًا وهو أنَّ أدلَّة الشرع لا تنحَسِر فقط في هذين الدليلين، بل ورد الشرع بأدلَّة كثيرة غير هذين الدليلين؛ فقد وسع الله للناس طرق معرفته، وقرَّر دلائل وجوده.

21 -أبرز هذا البحث خطَأَ المتكلمين في مسألة الوحدانيَّة، وأنهم ظنوا أنَّ التوحيد المطلوب هو توحيد الربوبيَّة، وإثبات أنَّ خالق العالم واحد، واستدلُّوا على ذلك بدليل التمانُع، وقد غفلوا في بحثهم عن توحيد الألوهيَّة فلم يعطوه نصيبًا كبيرًا من اهتمامهم، رغم أنَّ هذا النوع من التوحيد هو الذي وقَعتْ فيه الخصومة بين الرسل وأممهم.

وقد أهمل المتكلِّمون توحيدَ الألوهيَّة في بحثهم الكلامي، وصرَفُوا جُلَّ عنايتهم إلى إثبات الصانع، وتقرير الدلائل على أنَّ خالق العالم واحد؛ ظنًّا منهم أنَّ ذلك هو الغاية في التوحيد، ثم فسَّروا الإله بأنَّه القادر على الاختراع وهذا خطأ؛ فإنَّ الإله هو المعبود الذي تألَهُه القلوب وتتَّجه إليه.

وعندما أهمل المتكلِّمون الحديثَ عن توحيد العبادة، وركَّزوا في بحثهم على إثبات الصانع، وأنَّ خالق العالم واحد - فسَّرُوا آيات كثيرة على ضوء هذا الفهم، حتى وإنْ كانت الآية برهانًا على توحيد الألوهيَّة، ومن تلك الآيات التي أخطأ المتكلمون في استنباط وجه الدلالة منها قوله -تعالى-: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] ، حيث حاوَل المتكلمون خطأً أنْ يستنبطوا منها دليل التمانُع، رغم أنَّ الآية دليلٌ على توحيد الألوهيَّة، وليس فيها ما يُرشِد إلى دليل التمانُع، وإنْ كان دليل التمانُع يُستَنبَطُ من آياتٍ أخرى.

23 -تجلَّى من خِلال البحث نَقْدُ ابن تيميَّة للمتكلِّمين في التوحيد؛ حيث بيَّن - رحمه الله - أنَّ المتكلِّمين أحدَثُوا في باب التوحيد اصطلاحات مُحدَثة، وألفاظًا مُجمَلة، وأدرجوا في مسمَّى التوحيد أمورًا ليست من التوحيد، وأخرجوا منه أمورًا هي في صميم التوحيد، فالتوحيد في اصطلاح المتكلمين يختلف عن التوحيد كما ورد به الكتاب والسُّنَّة.

والدليل على ذلك أنَّ المعتزلة مثلًا أدرجوا في مسمَّى التوحيد نفي الصفات مطلقًا، ونفي الرؤية، والقول بخلق القُرآن.

وأدرجت الأشعريَّة في مسمى التوحيد نفي العلو وسائر الصفات الخبرية ونفي الأفعال الاختياريَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت