الصفحة 27 من 44

وقد اتَّضح من خِلال البحث أنَّ ابن رشد ليس باطنيًّا في باب العمليَّات وتكاليف الدين الشرعيَّة؛ كالصلاة، والزكاة ...

ولكنَّه أراد أنْ يُبرِّر بدعة تأويل بعض النصوص المتعلِّقة بالعِلميَّات، فقال: إنَّ الشرع ورد بالظاهر والباطن، وإنَّ الوصول إلى باطن النصوص يكون بالتأويل الذي يجب كتمانُه عن العامَّة والجمهور؛ لأنَّ مصلحتهم في أخْذ النصوص على ظاهرها والعمل بموجبها.

18 -أظهر البحث أنَّ المتكلمين استدلُّوا على وجود الله بأدلَّةٍ متكلَّفةٍ مبتدَعة تشتَمِل على مقدمات باطلة وتُورِث شُبَهًا عظيمة.

وقد نقد ابن رشد أدلَّة المتكلِّمين التي استدلُّوا بها على وجود الله، وبيَّن أنها أدلَّة مُبتَدَعة لم يرد الشرع بها، وهي لا تُفضِي إلى اليقين، ولا تصلح أنْ تكون طريقًا لمعرفة الله؛ لأنها أدلَّة ظنيَّة تشتمل على مقدمات مشكوكٍ في صحَّتها، بل باطلة، فضلًا عن أنها تُثِير شكوكًا عويصة وشُبَهًا عظيمة، وقد وافقه ابن تيميَّة على ذلك النقد كله.

وقد تميَّز نقد ابن تيميَّة لأدلَّة المتكلمين عن نقد ابن رشد بمميزات منها: أنَّه بيَّن أنَّ تلك الأدلَّة التي استدلَّ بها المعتزلة والأشاعرة كانت سببًا في ضلالهم ووقوعهم في بِدَعٍ كثيرة في مسائل العقيدة، فبسبب دليل الحدوث (الجواهر والأعراض) أنكَرَ المعتزلة والأشاعرة علوَّ الله على خلقه، ونفوا الصفات الخبريَّة؛ كالوجه واليد، والأفعال الاختيارية؛ كنزول الرب، ومجيئه وإتيانه لفصل القضاء بين عباده يوم القيامة، وبسببها قالت الأشعريَّة بالكلام النفسي، وأنَّ الله يُرى في الآخِرة لا في جهة.

وبسبب تلك الطريقة المبتدَعة قالت المعتزلة بخلق القُرآن، وإنكار رؤية الله بالأبصار في دار القَرار، وغير ذلك من الشُّبَه والشُّكوك التي أثارتها تلك المسائل العقليَّة المبتَدَعة.

19 -استدلَّ ابن رشد على وجود الله بدليل الخلق ودليل العناية، مبينًا أنَّ هذين الدليلين هما اللذان ورد بهما الشرع، وأنَّ هذين الدليلين دليلان عقليَّان شرعيَّان في آنٍ واحد، ويمكن أنْ يفهمهما جميعُ الناس على اختلاف مستوياتهم وتفاوُت قدراتهم، بخلاف أدلَّة المتكلمين فإنَّه يَصعُب على الماهر بعلم الكلام فهمُها، فضلًا عن أنْ ندعو العوامَّ بها إلى الإيمان بالله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت