فالظاهر هو فرض الجمهور، ويلحَقُ بهم علماء الكلام أهل الجدل الذين ارتفَعُوا عن العامَّة قليلًا، ولم يعلوا إلى مرتبة الراسِخين في العلم.
وأمَّا باطِن النصوص فهو فرض أهل البرهان الراسخين في العِلم، وهم عنده فئةٌ قليلة من الفلاسفة لم يُحدِّدهم، ولم يُدرِج ابن سينا والفارابي والغزالي ضمنهم، فمَن هم يا ترى؟!
ويرى ابن رشد أنَّ أهل البرهان يَصِلُون إلى مراد الشرع عن طريق تأويل بعض النُّصوص، ويجبُ عليهم كِتمان ذلك التأويل عن الجمهور؛ لأنَّ التصريح للعامَّة بتأويل النصوص وصَرفها عن ظاهِرِها مُفسدٌ لعقيدة الجمهور، وصادٌّ لهم عن سبيل الشرع، وصارفٌ لهم عن الفضيلة وآداب الشرع وأخلاقه.
17 -وبسبب قول ابن رشد بأنَّ الشرع له ظاهر وباطن، اتَّهمه البعض بأنَّه من الباطنيَّة، وأطلق عليه ابن تيميَّة ذلك في عِباراتٍ مجملة، ولكن تجلَّى من خلال البحث أنَّ الفقيه القاضي ليس من الباطنيَّة بالمعنى الدقيق للفظ الباطنيَّة.
وقد أبرَزَ البحث أنَّ ابن رشد يقرُّ بوجود الله، ويستدلُّ على وجوده بأدلَّة القرآن، ويقرُّ لله بالوحدانيَّة، ويشهَدُ للرسول بالرسالة، وأنَّ رسالته للناس كافَّة، ويقرُّ بعقيدة ختم النبوة بنبوَّة محمَّد -صلى الله عليه وسلم- ويؤمن بسائر الرُّسل، ويقرُّ بمعجزاتهم، ويُقرِّر أنَّ مُنكِر المعجزات والمشكِّك فيها كافر، ويرى أنَّ القُرآن الكريم معجزةٌ خالدة على تَوالِي الأيام وتكرُّر الأعوام، وأنَّ دين الإسلام هو الدين الذي تمَّت به النِّعمة على العباد، ورضيه الله لهم.
وكذلك كان ابن رشد يُحافِظ على التكاليف الشرعيَّة.
وإذا كان ابن رشد كذلك فليس هو من أولئك الباطنيَّة الملاحدة الإباحيِّين الذين طرَحُوا التكاليف الشرعيَّة، واستباحوا المحرَّمات ورفعوا الأوامر الدينيَّة، وانخلَعُوا عمَّا جاءت به الشريعة من الأوامر والنواهي، وانسلَخُوا عن ربقة الدين الإسلامي، بل كلِّ دِين سماوي، فأنكروا وجود الله، والنبوَّات والمعجزات، والقيامة والمعاد.
وقد وضَّح ابن تيميَّة في نصوصٍ صريحة تُقيِّد ما أطلَقَه، وتُفصِّل ما أجمله، وتُفسِّر تلك العبارات التي ذُكرَتْ على إطلاقها دون تقييد.