الحياة والالتزام بشرعه وفساد بني آدم، وخَراب العالم إنما يكون بالإعراض عن منهج الله واتِّخاذ معبودات باطلة، وأديان وضعيَّة، وقوانين بشريَّة.
ثم بيَّن ابن تيميَّة أنَّ الآية لا يُفهَم منها دليلُ التمانع ولا ترشد إليه - كما توهَّم المتكلمون - ولكن دليل التمانُع يمكن أنْ يُستَنبط من قوله -تعالى-: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91] .
وكذلك نقَد ابن تيميَّة الفيلسوف ابن رشد لإغفاله توحيد الألوهيَّة، وتخبُّطه في مسألة الصفات، وإنكاره لرؤية الله بالأبصار في دار القرار.
27 -تجلَّى من خِلال البحث أنَّ ابن رشد مالَ إلى مذهب المعتزلة في الصفات، وتردَّى في القول بعينيَّة الصفات ما في ذلك أدنى شكٍّ؛ حيث ذهب إلى إنكار زيادة الصفات على الذات، وقال بأنها عين الذات، فالله عالِمٌ وعلمه عين ذاته، قادر وقدرته عين ذاته ...
وهذا القول بدوره يُفضِي إلى التعطيل ونفي الصفات، بل إنَّ مذهب ابن رشد في الصفات أسوأ من مذهب المعتزلة؛ فالمعتزلة وإنْ قالت بأنَّ صفاته عين ذاته إلا أنَّها ترى أنَّ المفهوم من العلم غير المفهوم من القُدرة، غير المفهوم من الإرادة، وأمَّا ابن رشد فقد قال باتِّحاد الذات والصفات، واتِّحاد المفهوم من الصفات أيضًا فالمفهوم من العلم لا يُغايِر عندَه المفهوم من القُدرة، والمفهوم من القُدرة لا يُغايِر المفهوم من الإرادة.
وكذلك يَنفِي ابن رشد الصفات الخبريَّة والأفعال الاختياريَّة؛ كالوجه واليد، والاستواء والنزول ... بل يرى أنَّه يجب على أهل البرهان تأويلُ هذه النصوص، وحملُهم إيَّاها على ظاهرها كفرٌ.
ولكن يجبُ عليهم أنْ يَكتُموا تلك الآراء في الصفات عن الجمهور، بل يحرم التصريح للجمهور بمذهب المعتزلة، أو تأويل نصوص الصفات الخبريَّة والأفعال الاختياريَّة، ثم يلوم ابن رشد المعتزلة والأشعريَّة والغزالي على التصريح بتلك الآراء للجمهور؛ لأنَّ إطْلاعهم على تلك التأويلات يُفسِد عقائدهم، ويصرفهم عن العمل بفضائل الدين وواجباته التي هي المقصد الأهم في إصلاح الجمهور.