15 -أبرَزَ البحثُ خطأَ ابن رشد في تحديد المراد من المتشابه في قوله -تعالى-: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] ، وذلك عندما عَدَّ آيات الصفات من المتشابه، وبعدَ ذلك أخَذ يُفَلسِف هذه القضيَّة على هَواه؛ حيث ذهَب إلى أنَّه يجبُ على العامة ومن درجتهم حملُ نصوص الصفات وغيرها على ظاهرها، فيكون الوقف في الآية بالنسبة لهم عند قوله -تعالى-: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ} [آل عمران: 7] .
وأمَّا أهل البرهان فإنهم يُؤوِّلون بعضَ نصوص الشرع حسب ما أدَّى إليه نظرهم الفلسفي، ويحرُم عليهم التصريحُ بتأويلاتهم للجمهور، ويكون الوقف في الآية بالنسبة للعلماء عند قوله -تعالى-: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] .
وأمَّا الإمام ابن تيميَّة فقد حرَّر هذه المسألة تحريرًا دقيقًا لم يَسبِقْه إليه أحدٌ - حسَب ما أعلم - وقد أيَّد رأيه في ذلك بنصوص الكتاب والسُّنَّة، مُقرِّرًا - رحمه الله - من أول وهلة أنَّ نصوص الصفات ليست من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله؛ بل إنَّ الصحابة آمَنوا بها وأثبتوها لله على حقيقتها، وعرفوا ما تدلُّ عليه من معنى، ولم يُؤثَر عن أحدٍ منهم أنَّه فوَّض العلم بمعناها أو توقَّف فيه.
وبعد ذلك يُبيِّن ابن تيميَّة أنَّه يجوز أنْ يكون الوقف في الآية على لفظ الجلالة، ويجوز أنْ يكون على قوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] حسَب اختلاف المراد من المتشابه؛ وذلك لأنَّ الله وصَف القرآن بأنَّه مُحكَم وبأنَّه متشابه، وفي موضعٍ آخَر جعَل منه ما هو محكم، ومنه ما هو متشابه.
فأمَّا التشابُه الذي يعمُّ القُرآن كلَّه فهو بمعنى الاتِّفاق وتناسُب الكلام وعدم اختلافه وتناقُضه، بحيث يُصدِّق بعضه بعضًا ويُؤيِّده، وهذا التشابه العام لا يُنافِي الإحكامَ العام، بل هو مُصدِّق له، فإنْ أريد بالتأويل التفسير فالراسخون في العلم يعلمون تأويل هذه الأمور وتفسيرها ويُبيِّنون مَعناها، وهنا يجوزُ أنْ يكون الوقف على قوله -تعالى-: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [آل عمران: 7] .