الصفحة 23 من 44

فهذه الأمور يجبُ الإيمانُ بها؛ لأنَّها مبادئ الشرائع، والمؤوِّل لها أو المشكِّك فيها كافرٌ.

-الصِّنف الثاني: صنفٌ يجبُ على العلماء أهل البرهان - وهم عنده فئة قليلة من الفلاسفة - تأويلُه، ولكنْ يجب عليهم كتمانُ ما توصَّلوا إليه من تأويلٍ عن الجمهور؛ لأنَّ اطِّلاعهم على التأويلات يُفسِد عقائدهم، ويُبعِدهم عن العمل بفَضائل الدِّين وواجباته وآدابه، فإذا اطَّلعوا على التأويلات قلَّ أخْذُهم بالنصوص، وعملهم بما جاء فيها؛ وبالتالي تقلُّ تقواهم.

فالمصرِّح للجمهور بالتأويل قد دَعاهم إلى الشك؛ لأنَّ أفهامهم لا تطيق تلك التأويلات، وسعادتهم إنما هي في أخْذ النصوص على ظاهرها، وهنا يلومُ المعتزلة والأشعريَّة والغزالي على تصريحهم بالتأويلات للجمهور، ويلومُ الغزالي الذي أطْلع الجمهور على آراء الفلاسفة وصرَّح لهم بالتأويل دُون أنْ تبلغ قواهم العقليَّة استيعاب هذه المرتبة.

ثم يُبيِّن ابن رشد أنَّ هذا الصِّنف من النصوص الشرعيَّة لا يجوزُ للجمهور تأويله، ويقصد بالجمهور العامَّة وعلماء الكلام، ويُدخِل ابن رشد في هذا الصنف الصفات الخبريَّة، والأفعال الاختياريَّة؛ كالاستواء، والنزول والمجيء والإتيان، والوجه، واليد ...

وقد بلغ تمسُّك ابن رشد بهذه البدعة حدًّا من الغلوِّ؛ حيث زعم أنَّ حمل أهل البرهان لهذه النصوص على ظاهرها وعدم تأويلها كفرٌ، وكذلك تأويل الجمهور لهذه النصوص وإخراجها عن ظاهرها كفرٌ في حقِّهم أو بدعة.

-الصنف الثالث من النصوص الشرعيَّة صنف مُتردِّد بين هذين الصنفين يقع فيه شكٌّ، فيلحقه قومٌ من النظار بالصف الأوَّل الذي لا يجوزُ تأويله لأحدٍ من الناس، ويلحقه آخرون بالباطن الذي لا يجوزُ حمله على الظاهر للعلماء؛ وذلك لصُعوبة هذا الصنف، فإنْ أخطأ العلماء - وحدَهم - في هذا الصنف فهم معذورون.

14 -أبرَزَ البحث خطَأ ابن رشد في تحديد معنى التأويل؛ حيث فسَّر التأويل بمعناه المبتدَع الذي هو: صرفُ اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليلٍ يقترن به، وهذا المعنى المبتدَع يُرادِف معنى التحريف.

وقد خالَفَه ابن تيميَّة في ذلك مبينًا أنَّ التأويل في الكتاب والسنة ولغة العرب ورد بمعنى التفسير، وبمعنى الحقيقة التي يَؤُول إليها الكلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت