الصفحة 22 من 44

وقد بيَّن ابن تيميَّة أنَّ معرفة الله تحصل لِمَن سلمت فطرته من الانحِراف بديهةً بمقتضى تلك الفطرة التي فطَر الله الناسَ عليها، وغرَسَها في نُفوس عباده؛ ولكنَّ تلك الفطرة يعرض لها نوعٌ من الفَساد فتنحَرِف بسبب عامِلٍ من عوامل الانحراف، وحينئذٍ تكونُ تلك الفطرة فطرةً مريضةً تحتاجُ إلى علاجٍ ليردَّها إلى الاعتراف بالله وتوحيده، وهنا يجبُ النظَرُ في دليلٍ صحيحٍ يوصل إلى اليقين، والأدلَّة على وُجود الله كثيرة جدًا، فقد بثَّ الله في الكون دلائل وجوده، ويسَّر للناس طريق معرفته، فيجبُ حينئذٍ الرُّجوع إلى تلك الأدلَّة الشرعيَّة.

وينهى ابن تيميَّة أشدَّ النهي عن الاستدلال بأدلَّة المتكلمين كدليل الجواهر والأعراض؛ لأنها أدلَّة مُبتَدَعة تُؤدِّي إلى أقوالٍ مخالفة للعقل والدِّين.

11 -تجلَّى من خِلال البحث أنَّ ابن رشد يَزعُم أنَّ دِراسة المنطق والفلسفة واجبة وجوبًا شرعيًّا، فالنظَر في الفلسفة والمنطق واجب بالشرع، وقد سعَى إلى التوفيق بين ما أدَّت إليه المناهج الفلسفيَّة وما جاءتْ به النصوص الشرعيَّة، فجاء بآراء مُلفَّقة وأقوال مُزوَّرة لا أساس لها في الشرع، ولا يتقبَّلها العقل.

12 -وهنا زعَم ابن رشد أنَّه إذا وجدنا في الشريعة نصًّا يُخالِف ما أدَّى إليه الدليل العقلي القائم على أُصول البرهان المنطقي والمنهج الفلسفي، فإنَّه يجبُ تأويل ذلك النص؛ ليتَّفق مع ما أدَّت إليه شروط البرهان العقلي.

13 -أظهر البحث أنَّ ابن رشد قد بحث قضيَّة التأويل بحثًا مُتميِّزًا عن بحث المتكلِّمين وسائر المسلمين، وشارَك المتكلمين في تعريفهم للتأويل تعريفًا مبتدعًا يُرادِف معنى التحريف، وقد اضطرب ابن رشد وهو يبحَثُ مسألة التأويل اضطرابًا شديدًا وتناقَض في أكثر من موقفٍ: فذهب إلى أنَّ نُصوص الشرع على ثلاثة أصناف:

-صنف يجبُ حمله على ظاهره والإيمان به كما ورد، ولا يجوزُ تأويله أصلًا، ومَن حاوَل تأويله أو التشكيك فيه فهو كافرٌ، وذلك مثل الإقرار بالله - تبارك وتعالى - وبالنبوَّات، وبالسعادة الأخرويَّة والشَّقاء الأخروي، ويُلحَقُ بذلك مُعجِزاتُ الأنبياء والرُّسل - صلوات الله وسلامه عليهم - فإنَّه يجبُ الإيمان بها دُون الخوض فيها أو إنكارها، والمشكِّك فيها أو المُنكِر لها كافرٌ؛ ولذلك وجب قتلُ الزنادقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت