7 -ظهَر من خِلال البحث أنَّ ابن رشد قد أجهَد نفسَه في محاولة التوفيق بين الشريعة والفلسفة، ونادَى بأنَّ الفلسفة هي صاحبة الشريعة والأخت الرضيعة، وأنهما مُصطَحبتان بالطبع مُتحابَّتان بالجوهر والغَريزة وقد ألَّف كتاب"فصل المقال"لإثبات هذه الدعوى المزعومة، وجاء فيه بأقوال شنيعة، وتردَّى في أخطاء فظيعة، دلَّت على أنَّ فيلسوف الوفاق قد فشل في دَعواه فشلًا ذريعًا.
8 -وقد ذهَب ابن رشد إلى أنَّ أوَّل واجبٍ يجبُ على المكلَّف هو النظَر في الأدلَّة والبراهين التي توصَّل إلى معرفة الله، مستدلاًّ على ذلك بالآيات التي تحثُّ على التفكُّر في الكون وتدعو إلى النظَر والتدبُّر في مخلوقات الله، ثم ذكر أنَّه إذا كان الشرع قد دعا إلى النظَر فيجب أنْ نجعل نظرنا في المنطق والفلسفة؛ لأنَّهما - على حدِّ زعمه - تُعلِّم شروط البراهين اليقينيَّة والأقيسة العقليَّة.
9 -أظهر البحث أنَّ المتكلمين ذهبوا إلى أنَّ أوَّل واجبٍ يجب على المكلَّف هو النظر في الدليل الموصل إلى معرفة الله، وبعد أنْ أوجب المتكلِّمون النظر على كلِّ أحدٍ اختلفوا في طريق وُجوبه فقالت المعتزلة: هو واجب بالعقل، وقالت الأشعريَّة: هو واجبٌ بالشرع، ومن هنا أوجب بعض المتكلِّمين على الناس سلوك طريقهم في الاستدلال على وجود الله، وضلَّلوا مَن لم يسلكْ طريقتهم في الاستدلال توصُّلًا لمعرفة الله - تعالى.
10 -أبرَزَ البحثُ نقْد الإمام ابن تيميَّة لابن رشد وللمتكلِّمين في إيجاب النظَر على كلِّ أحدٍ، وبيَّن أنَّ المنطق والفلسفة لا توصل إلى اليقين في المطالب الإلهيَّة، وأنَّ الفلاسفة الأوائل كلامهم في الإلهيات قليل جدًّا، وهو مشتملٌ على أخطاء كثيرة، وإنْ وُجِدَ فيه حقٌّ فإنما أخَذوه من مخالطة أهل الملل، وغالب كلام الفلاسفة الأوائل إنما هو في الطبيعيَّات والحساب.
وكذلك نقَد ابن تيميَّة المعتزلة والأشعريَّة في إيجاب النظر على كلِّ أحدٍ، وبين أنَّ تلك الأدلَّة التي سلَكُوها في الاستدلال على وجود الله كدليل الجواهر والأعراض طريقة مُبتَدَعة في الدِّين، والرسول لم يدعُ أحدًا من الناس إلى النظَر في الدليل الموصل إلى معرفة الله؛ بل كان يأمُرُه بالشهادتين والطهارة ثم تَلقِّي أحكام الإسلام وسائر أمور العقيدة والشريعة، ولم يقلْ لأحدٍ من الناس: انظر في الدليل ثم صدِّق بنبوَّتي وأنِّي رسول الله إليك.
كذلك اتَّفق الأئمَّة والتابعون وأهلُ العلم والسُّنَّة بأنَّ طريقة الجواهر والأعراض مُبتدَعة، بل هي محرَّمة عند كثيرٍ من علماء الأمَّة؛ لأنها أدَّت بسالِكيها إلى الوقوع في بِدَعٍ عظيمة وأخطاءٍ جسيمة.