مِنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ مَوْسِمَ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا مَا يُفْعَلُ فِيهِ فَلَمْ يُجِبْهُمْ فِي ذَلِكَ لِمَا أَرَادُوهُ فَعَزَمُوا عَلَيْهِ فَلَمْ يَفْعَلْ وَتَرَكَ إجَابَتَهُمْ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مُوَاقَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ.
وَالثَّانِي: رُبَّمَا يَرَاهُ أَحَدٌ فَيَقْتَدِي بِهِ فِي فِعْلِهِ فَحُسِمَ الْبَابُ بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ. فَلَوْ كَانَ مَنْ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ يَمْشُونَ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنْ كُلِّ مَا ذُكِرَ إلَّا نَادِرًا إذْ أَنَّ الْعَالِمَ هُوَ الْقُدْوَةُ وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ جَيِّدُهُمْ وَرَدِيئُهُمْ رَاجِعُونَ إلَيْهِ إمَّا بِالطَّوَاعِيَةِ، أَوْ بِالْجَبْرِ وَفَّقَنَا اللَّهُ تَعَالَى لِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ لَا رَبَّ سِوَاهُ ... وَمِنْ ذَلِكَ اسْتِعْمَالُهُمْ فِيهِ الْعَدَسَ الْمُصَفَّى وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فَالْبِدْعَةُ تَحَرِّيهِمْ لَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمُعَيَّنِ مُوَافَقَةً لِأَهْلِ الْكِتَابِ فِي مَوَاسِمِهِمْ فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ مِنْهُمْ تَشَوَّشَ هُوَ وَأَهْلُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
وَمِنْ ذَلِكَ صَبْغُهُمْ فِيهِ الْبَيْضَ أَلْوَانًا لِأَوْلَادِهِمْ وَغَيْرِهِمْ وَتَعَدَّى ذَلِكَ فِي الْكَثْرَةِ إلَى أَنْ صَارَ الْمُقَامِرُونَ وَغَيْرُهُمْ يَلْعَبُونَ بِهِ جِهَارًا وَلَا أَحَدَ فِيمَا أَعْلَمُ يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ ... فَكُلُّ مَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا أَشْبَهَهُ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْبِدَعِ الْمُسْتَهْجَنَةِ وَالْعَوَائِدِ الذَّمِيمَةِ وَفِيهِ تَعْظِيمُ مَوَاسِمِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَتَغْبِيطُهُمْ بِدِينِهِمْ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا رَأَوْا الْمُسْلِمِينَ يَتَشَبَّهُونَ بِهِمْ أَعْنِي فِي تَعْظِيمِ مَوَاسِمِهِمْ يَقْوَى ظَنُّهُمْ بِأَنَّ مَا هُمْ عَلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ. فَانْظُرْ رَحِمَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَإِيَّاكَ إلَى هَذِهِ الثُّلْمَةِ مَا أَشَدَّ قُبْحَهَا"."
ونقل ملا القاري في"مرقاة المفاتيح" (3/ 1069) عن ابن حجر أنه قال:"قَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْوَرْطَةِ أَهْلُ مِصْرَ وَنَحْوُهُمْ، فَإِنَّ لِمَنْ بِهَا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى تَعْظِيمًا خَارِجًا عَنِ الْحَدِّ فِي أَعْيَادِهِمْ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا يُوَافِقُونَهُمْ عَلَى صُوَرِ تِلْكَ التَّعْظِيمَاتِ، كَالتَّوَسُّعِ فِي الْمَأْكُولِ، وَالزِّينَةِ عَلَى طِبْقِ مَا يَفْعَلُهُ الْكُفَّارُ، وَمِنْ ثَمَّ أَعْلَنَ النَّكِيرَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْحَاجِّ الْمَالِكِيُّ فِي مَدْخَلِهِ، وَبَيَّنَ تِلْكَ الصُّوَرَ،"