الصفحة 19 من 40

وَلَوْ بَصُرَتْ بِهِ لَرَأَتْ جَرِيضًا ... بِمَاءِ الدَّهْرِ حِلْيَتُهُ الشُّحُوبُ

كَنَصْلِ السَّيْفِ عُرِّيَ مِنْ كِسَاهُ ... وَفَلَّتْ مِنْ مَضَارِبِهِ الْخُطُوبُ

زَعِيمًا بِالْغِنَى أَوْ نَدْبِ نَوْحٍ ... تُعَطَّطُ مِنْ مَآتِمِهِ الْجُيُوبُ

فَأَصْبَحَ حَيْثُ لا نَقْعٌ لِصَادٍ ... وَلا نَشَبٌ يَلُوذُ بِهِ حَرِيبُ

بِمِصْرَ وَأَيُّ مَأْرُبَةٍ بِمِصْرٍ ... وَقَدْ شَعَبَتْ أَكَابِرَهَا شَعُوبُ

يبدو أبو تمام هنا مهمومًا قد نزلت به الهموم أي منزل، لقد أفقدته المصائب والخطوب - هنات - بلاده تلك الهنات التي يشيب من هولها من لا يشيب، وهو على ذلك له من بني قومه العدويين من النساء الكريمات من يردن عودته، وهذه أمه العدوية التي لها طيئٌ أم حصان عفيفة شريفة، فأمه هذه تتمنى أن يعود لها ابنها حبيب - أبو تمام - ثم يرأف بها أن تراه على حالته الرزية هذه مهمومًا - جريضًا - ضعيفًا شاحبًا قدا نالت منه الخطوب كما نالت كثرة الضرب من نصل السيف فثلمته وفلته، ولعله يعلل موقفه من الرحيل إلى مصر حيث البحث عن الغنى أو الموت دونه - ندب نوح لموته تقوم عليه المآتم، لقد حصر نفسه بمصر في شيئين: إما نيل الغنى، وإما الموت دونه.

وإن للرجل لحديثًا عن طيء وأمجادها ليس بحديث رجل ينتمي إليها انتماءً بالولاء، وإنما انتماء الأصل الصليبة يقول [1] [طويل] :

أَبَى لِيَ نَجْرُ الْغَوْثِ أَنْ أَرْأَمَ التِي ... أُسَبُّ بِهَا وَالنَّجْرُ يُشْبِهُهُ النَّجْرُ

وَهَلْ خَابَ مَنْ جِذْمَاهُ فِي ضَنْء طَيِّءٍ ... عَدِيُّ الْعَدِيِّينَ: الْقَلَمَّسُ أَوْ عَمْرُو

لَنَا غُرَرٌ زَيْدِيَّةٌ أُدَدِيَّةٌ ... إِذَا نَجَمَتْ ذَلَّتْ لَهَا الأَنْجُمُ الزُّهْرُ

لَنَا جَوْهَرٌ لَوْ خَالَطَ الأَرْضَ أَصْبَحَتْ ... وَبُطْنَانُهَا مِنْهُ وَظُهْرَانُهَا تِبْرُ

جَدِيلَةَ وَالْغَوْثَ اللَّذَيْنِ إِلَيْهِمَا ... صَغَتْ أُذُنٌ لِلْمَجْدِ لَيْسَ بِهَا وَقْرُ

مَقَامَاتُنَا وَقْفٌ عَلَى الْحِلْمِ وَالْحِجَى ... فَأَمْرَدُنَا كَهْلٌ وَأشْيَبُنَا حَبْرُ

(1) - السابق 4/ 571 - 573.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت